ورشة ملامح عمرانية وحلول حضرية

نظَّم الإنسان والمدينة للأبحاث الإنسانية والاجتماعية، ضمن مشروع “الإسكندرية تحت المجهر”، ورشة التصميم العمراني “ملامح عمرانية وحلول حضرية” على مدار 6 جلسات مختلطة تجمع بين اللقاءات الحضورية والميدانية واللقاءات الافتراضية عبر الإنترنت، في الفترة ما بين 14 و29 أغسطس 2025، وقد يسرها الباحث العمراني صلاح المولد، بمشاركة فريق من الإنسان والمدينة. جمعت الورشة طلابًا/طالبات، وخبراء/خبيرات من ذوي/ات الخلفيات الدراسية والعلمية في مجالات التصميم والتخطيط العمراني، والهندسة، والفنون المعمارية والأنثربولوجيا، والجغرافيا، وغيرها من المجالات ذات الصلة، بهدف استكشاف حلول مبتكرة للمشكلات العمرانية التي تواجه مدينة الإسكندرية. وعملت الورشة على تحليل التحديات العمرانية في أحياء الإسكندرية التسعة، بالإضافة إلى مركز ومدينة برج العرب، والتفاعل مع المشكلات الراهنة من خلال نتائج مشروعات المشاركين/ات في الورشة وخبراتهم/ن، وصولًا إلى تصميم وتطوير حلول عملية مستدامة. وركزت الورشة في جزئها النظري على الإدارة العمرانية باعتبارها عنصرًا أساسيًا في نجاح المشروعات الحضرية واستدامتها، حيث سُلِط الضوء على هذا المفهوم بوصفه الحلقة المفقودة غالبًا ضمن المفاهيم الأساسية للعمران، كما سعت الورشة إلى الربط بين المنظورين المحلي والعالمي، من خلال عرض دراسات حالة لمشروعات أقيمت في المدينة وتأثيرها على النسيج الحضري، وربطها بمفاهيم التخطيط الحضري العالمي، مثل أهداف  UN-Habitat، بما يسهم في توضيح المفاهيم النظرية للمشاركين/ات بصورة أكثر عملية. تضمنت الجلسات سلسلة من الأنشطة التفاعلية التي تهدف إلى فهم التحديات الحضرية في مدينة الإسكندرية وتحليل الفجوة بين التخطيط والواقع، مع التركيز على قضايا السكن، والمواصلات، والمساحات العامة، استنادًا إلى البيانات والإحصائيات، كما جمعت الورشة بين الجولات الميدانية في أحياء العجمي، وشرق، والمنتزة أول، ووسط، وهي الأحياء التي اختارها المشاركون/ات للرصد الميداني، والعمل  على إنتاج حلول مستدامة تراعي المشاركة المجتمعية، انطلاقًا من التحديات الواقعية التي يواجهها السكان. وتضمن برنامج الورشة تطوير نماذج أولية قابلة للتكيف والتطبيق، وعرضها في صورة مشروعات عمل عليها المشاركين/ات، ثم إجراء مراجعات ودراسات جدوى، وتقارير تفصيلية لتقييم المشروعات المقترحة. وفي هذا السياق، جرى تقسيم المشاركين/ات إلى مجموعات عمل لتطوير 10 مشروعات عملية تستهدف الأحياء المختارة، وركزت هذه المشروعات على إيجاد حلول لمشكلات نابعة من واقع ملموس رصده المشاركون بأنفسهم، من بينها إدارة المخلفات، وتظليل مواقف المواصلات، ونقص المساحات العامة. ومن أبرز هذه المشروعات، جاء مقترح المصممة ندى وسام في منطقة سموحة بوصفه تدخلًا عمرانيًا يستهدف إعادة توظيف أحد الجيوب العمرانية المهملة، وتحويله إلى مساحة منظمة ومستدامة لتجميع المخلفات، من خلال الجمع بين الوظيفة الخدمية الأساسية والتدخلات التصميمية المبتكرة بهدف تعزيز القيمة البيئية والجمالية للفضاء العمراني. واعتمد المشروع على تحليل دقيق للمشكلة القائمة بشكل مباشر وغير مباشر؛ إذ أظهر نقصًا في عدد صناديق القمامة المتاحة مقارنة بعدد العقارات السكنية والكثافة السكانية للمنطقة، مما كشف وجود فجوات في منظومة جمع المخلفات من العقارات، بالإضافة إلى تراكم مخلفات أعمال الصيانة والتشجير والحفر والردم، وعدم وجود حلول لتسرب مياه أجهزة التكييف على الأرضيات، مما يسبب مشكلات بيئية وصحية إضافية. وبناءً على هذا التحليل، اقترحت المصممة إنشاء واجهات زراعية عمودية منخفضة التكلفة وسهلة الصيانة باستخدام موارد محلية، مما يجعل الحلول قابلة للاستمرار. وتضمّن المقترح نموذجين للزراعة الرأسية: نموذج الزراعة المثمرة ونموذج الزراعة العطرية. ويمتاز هذا التدخل بأنه قابل للتطبيق والتكرار في مواقع حضرية أخرى تعاني ظروفًا مشابهة، ولا يتطلب استثمارات أو أعباء مالية كبيرة. وقد أرفقت المصممة منهجية واضحة للتنفيذ تضمن سهولة إعادة إنتاج هذا النموذج على المدى الطويل. كما استوعب المشروع مشكلة نقص أماكن وقوف الدراجات عبر تخصيص جزء من المساحة لهذا الغرض، مما يضيف قيمة خدمية أخرى للمقترح. ليحقق المشروع بذلك توازنًا بين معالجة التحديات البيئية القائمة، وتقديم حلول اجتماعية واقتصادية، وتعزيز الجانب الجمالي والوظيفي للفراغ الحضري. وفي حي العجمي قدمت المعمارية سارة زروق مشروع “معالجة المخلفات العضوية والاستفادة من المساحات العامة” بمقاربة تصميمية صغيرة النطاق تستهدف تحويل مخلفات الخضار والفاكهة المنتجة بكميات كبيرة من الباعة في إحدى مناطق العجمي إلى مورد بيئي واقتصادي فعّال. يقوم المشروع على استغلال مساحة غير مستخدمة لإنشاء وحدات خشبية- صناديق- مُعاد تدويرها لإنتاج السماد العضوي، اعتمادًا على تحليل دقيق لكمية المخلفات الإسبوعية التي تتراوح بين 4 إلى 12 كجم حسب حجم المحل، كخطوة أساسية لدراسة الجدوى. ويرتكز التدخل المقترح على تصميم صناديق لتكون أحواض لعمل السماد العضوي وتصميم أحواض أخرى محيطة لزراعة نباتات عطرية للتغلب على الروائح الناتجة من صناعة السماد. كما يدمج المشروع بين مسارين للاستفادة من السماد المنتج: أولهما بيعه وتوجيه العائد لدعم أنشطة زراعة وتجميل حديقة مستهدفة في المنطقة، وثانيهما الاستخدام المباشر للسماد في تحسين التربة ودعم الأنشطة الزراعية، و دعمت الباحثة مشروعها بتحليل للسلوكيات المجتمعية الإيجابية القائمة مثل مبادرات الأهالي في رعاية الحديقة كبناء لآلية تنفيذ المشروع. تضمن التصميم البحثي الاستقصائي ما يتم إنتاجه أسبوعيًا من المحلات المستهدفة كمخلفات عضوية حسب حجم المحل، بالإضافة لدراسة جدوى متكاملة للإدارة والإنتاج خلصت إلى أنه يمكن إنتاج نحو 45 كجم من السماد العضوي في الدورة الواحدة بهامش حوالي 20% لتغطية تكاليف صيانة وزراعة المسطح الأخضر المستهدف، ويقدم المشروع نموذجًا غير هادف للربح يمكن لإحدى الجمعيات المحلية إدارته، سعيًا لرفع جودة البيئة المحيطة وزيادة رقعة المساحات الخضراء وتقديم بدائل أكثر استدامة لعمليات جمع النفايات العضوية. كما جاء مقترح مشروع “المواقع المثالية لتجميع النفايات” الذي قدمه المشارك زياد طارق في منطقة سيدي بشر قبلي، بهدف تطوير نموذج تطبيقي يمكن تنفيذه لتحديد المواقع المُثلى لتجميع المخلفات وأماكن حاويات القمامة في المناطق والأحياء الحضرية، بما يحقق كفاءة تشغيلية وعدالة في توزيع الخدمة. واعتمد المشروع في اختيار المواقع على معايير تخطيطية وتشغيلية واضحة، شملت الابتعاد عن المنشآت الحساسة والممتلكات الخاصة، وضمان سهولة وصول السكان سيرًا على الأقدام، وتيسير حركة مركبات الجمع والنقل. وأظهر التحليل المكاني لشبكة تجميع المخلفات الحالية وجود فجوات في تغطية بعض المناطق السكنية، ما استدعى اقتراح إضافة خمس حاويات جديدة في مواقع مختارة بعناية لتقليل مسافات الوصول وتحقيق تغطية أشمل. ولقياس كفاءة التوزيع، تم إجراء تحليل مناطق الخدمة بالاعتماد على شبكة الطرق، مع تحديد ثلاث نطاقات لمسافة الوصول سيرًا على الأقدام من المباني السكنية: 150 مترًا كمسافة وصول مثالية، و200 مترًا كنطاق متوسط، و250 مترًا كحد أقصى مقبول. وأظهر التحليل وجود فجوات في بعض المناطق، ما استدعى الحاجة إلى إدراج مواقع جديدة للحاويات لتحقيق قدر أكبر من العدالة المكانية. كما تم رصد أنماط التجميع الرسمي وغير الرسمي والمقارنة بينهم، حيث تبين أن الجمع غير الرسمي يسد بعض الثغرات مؤقتًا، لكنه يفتقر إلى كفاءة التنظيم والاستدامة طويلة المدى، مما يعزز أهمية الحل المقترح. ويُعد هذا المشروع نموذجًا تجريبيًا أوليًا يمكن تطويره وتكراره في أحياء حضرية أخرى، رغم محدودية البيانات الدقيقة حول الكثافة السكانية. الأمر الذي لو توفر كان من شأنه أن يرفع دقة النتائج، ومع ذلك، يُعد الجهد المبذول في المشروع خطوة تأسيسية يمكن

خريطة توزيع مستويات القيمة الإيجارية وفقًا للقرار رقم 312 لسنة 2025 عن محافظة الإسكندرية

أُنتِجت هذه الخريطة بناءً على القرار رقم 312 لسنة 2025 الصادر عن محافظة الإسكندرية، بشأن تحديد القيم الإيجارية للوحدات السكنية التي كانت خاضعة لقانون الإيجار القديم. وقد قسّم القرار مناطق الإسكندرية المختلفة إلى ثلاثة مستويات إيجارية (مناطق: متميزة، ومتوسطة، واقتصادية). كما تم الاعتماد على كلٍّ من الصفحة الرسمية لمحافظة الإسكندرية، وOpenStreetMap، وصور Google Earth، بالإضافة إلى خرائط تاريخية لحي الجمرك من مركز الدراسات السكندرية (CEALex)، لرسم حدود المناطق على الخريطة.

الترام وذاكرة المدينة .. ماذا تخسر الإسكندرية؟

إحباط جماعي الترام ليس مجرد وسيلة نقل. هذه جملة سهلة، وربما مستهلَكة، فوسائل النقل الأخرى أيضًا ليست مجرد وسائل نقل، أو هكذا يُفترض. ومع ذلك لا يثير توقف بعضها هذا القدر من القلق الجماعي والحسرة الممتدة بين قطاعات واسعة من السكندريين إزاء توقف ترام الرمل تمهيدًا للمشروع الجديد، والسرعة الكبيرة في هدم المحطات وتفكيك الخط. وهي حالة لا تقتصر على مستخدميه المباشرين، بل تشمل أيضًا من ارتبطوا به رمزيًا ووجدانيًا. تجلى ذلك في الحضور المتكرر على محطات الترام- قبل هدمها- رغم توقف المرفق، وفي الكثافة اللافتة للتفاعلات ذات الطابع الحزين أو الرافض على الفضاءات الرقمية، ولا سيما على موقع فيسبوك؛ حيث تحولت المنشورات على الحسابات الرسمية حول مشروع “تطوير ترام الرمل” إلى مساحة للتعبير عن شعور بالفقد يتجاوز بوضوح البعد الوظيفي لوسيلة النقل. يشير هذا النمط من التفاعل إلى أن الترام لم يكن بنية وظيفية للحركة فقط، بل مكوِّنًا من مكونات الذاكرة الحضرية والهوية المكانية للإسكندرية، وأن المساس به يُستقبل بوصفه تهديدًا لعنصر مستقر في الخبرة اليومية. ما وراء الجدل التقني وإذا كان الجدل الدائر حول المشروع قد انصرف في جانب منه إلى مخاوف عملية ومباشرة، فإن المسألة في جوهرها أعمق من ذلك. فالمشكلة لا تقتصر على الأزمات المتوقَّعة، ومنها تزامن المشروع مع مشروع مترو الإسكندرية بديل قطار أبي قير[1]، وما يصاحبه من مخاوف بتكدس حتمي في شوارع المدينة المزدحمة بالفعل. كما لا تقتصر على التفاصيل المتعلقة بعملية فك وإزالة وبيع المرفق نفسه، من عربات ومعدات ومحولات وغرف تغذية الخط والقضبان والشبكة الكهربية والبنية بأكملها، والتي قيل إن مناقصتها رست على شركات محلية بمبلغ اعتبره كثيرون شديد الزهد بالنسبة لمرفق كان يعمل يوميًا دون انقطاع أو أعطال تُذكر لأكثر من قرنٍ من الزمن، مما يجعله في صميم التراث حتى وإن لم يُدرَج في لائحة التراث، في ظل خلوٍ ملحوظ للمواقع الصحفية الحكومية وغير الحكومية من أخبار المناقصة وتفاصيلها. أهداف التطوير المعلَنة على موقعها الإلكتروني، ذكرت الهيئة القومية للأنفاق أربعة أهداف أساسية وراء المشروع، من بينها “تحقيق عائد اقتصادي نتيجة توفير استهلاك الوقود وخفض معدلات التلوث البيئي وخفض الاختناقات المرورية بالمحاور والشوارع الرئيسية وجذب نسبة من الركاب لاستخدام هذه الوسيلة بدلاً من استخدام السيارات الخاصة”، وكذلك “المحافظة على البيئة الطبيعية والاجتماعية وصحة المواطنين نتيجة تقليل التلوث البيئي والضوضاء باستخدام الطاقة الكهربائية النظيفة”[3]. مفارقة الطاقة النظيفة: الترام كهربائي منذ أكثر من قرن غير أن هذه الأهداف- رغم وجاهتها من حيث المبدأ- تثير بدورها بعض الأسئلة عند مقارنتها بطبيعة المرفق الذي كان قائمًا بالفعل والذي هُدمت محطاته وفُككت بنيته. فالترام كان يعمل بالكهرباء منذ عام 1904، عندما قررت الشركة المشغلة له آنذاك (شركة سكك حديد الإسكندرية والرمل) استبدال القاطرات البخارية بقاطرات كهربائية[4]، وذلك في مرحلة كانت الخدمة فيها مقتصرة على استخدام الأسرة الخديوية، قبل إتاحتها جماهيريًا عام 1909[5]. إذًا، الترام في الأصل وسيلة نقل منخفضة الانبعاثات مقارنةً بوسائل النقل المعتمدة على الوقود الأحفوري، الأمر الذي يجعل مسألة التحول إلى الطاقة الكهربائية النظيفة هدفًا متحققًا بالفعل في النظام القائم، لا هدفًا جديدًا يستدعي إعادة هيكلة جذرية للمرفق. توسعة الطرق والطلب المروري المستحث كما أن التصميم المقترح، الذي يعتمد على مسارات علوية في أجزاء من الخط بغرض فصل مسار الترام عن مسار السيارات، يطرح مفارقة أخرى تتعلق بالهدف المُعلَن المتمثل في خفض استهلاك الوقود وتقليل التلوث. فرفع مسار الترام قد يستلزم عمليًا توسعة الطريق أسفل هذه المسارات بعد إزالة الخط القديم لاستيعاب الحركة المرورية، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة سعة الطرق أمام السيارات الخاصة بدلاً عن تقليص الاعتماد عليها. وقد أظهرت تجارب حضرية عديدة أن توسيع الطرق غالبًا ما يؤدي إلى ما يُعرف بالطلب المروري المستحث (Induced Demand Traffic)، أي زيادة عدد السيارات مع كل توسعة للطريق، وهو ما يقود في النهاية إلى ارتفاع استهلاك الوقود ومعدلات التلوث بدلاً عن خفضها[6]. في حين كان من الممكن التفكير في حلول تنظيمية أقل كلفة وأقل تأثيرًا على النسيج العمراني، مثل استخدام مزلقانات إلكترونية وكاميرات مراقبة لفرض فصل المسار، إلى جانب حملات توعية وفرض غرامات صارمة على المخالفين، وهي إجراءات كان يمكن أن تزيد فعالية المرفق بشكله القائم بدلاً عن إنشاء مسار جديد قد يغير معالم المناطق التي يمر بها تغييرًا جذريًا. الترام والنسيج الاجتماعي للمدينة ولا يقتصر أثر هذا التحول على الجوانب المرورية والبيئية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى النسيج الاجتماعي للمناطق التي يمر بها الترام. فقد تشكلت على مدار عقود طويلة أنماط من الحياة اليومية حول مسار الترام ومحطاته: أسواق صغيرة، وأنشطة تجارية محلية، وحركة مشاة مرتبطة بوجود المرفق على مستوى الشارع. وأي تغيير جوهري في شكل المسار أو طبيعة المحطات سيؤدي بالضرورة إلى إعادة تشكيل هذه الأنماط، بما يحمله ذلك من آثار محتملة على الحياة الاجتماعية والاقتصادية المحلية. ومن ثمّ، فإن تقييم المشروع لا ينبغي أن يقتصر على مؤشرات الكفاءة الإنسيابية للمرفق وحده، بل ينبغي أن يأخذ في الاعتبار أيضًا أثره على البنية الحضرية والاجتماعية التي تشكلت تاريخياً حول هذا المرفق. الذاكرة الحسية للمدينة: ما لا تقيسه الأرقام إضافةً إلى كل هذه الاعتبارات، لا يمكن تجاهل أمر أعمق وأقل قابلية للقياس بالأرقام، وهو صميم الذاكرة الحسية للمدينة، تلك التي يشعر كثيرون أنها مهدَّدة في جوهرها. إنها ذاكرة رُسمت داخل الوعي الجمعي، أو بالأحرى نُقشت فيه، عبر زمن طويل من التكرار والاعتياد. لم تتكون هذه الذاكرة في لحظة واحدة، ولم تصنعها مناسبة بعينها، ولم تكن جميلة أو سعيدة بالضرورة. لقد تراكمت ببساطة من تفاصيل صغيرة، حفظها الجسد كما حفظها العقل، حتى صارت نبضًا خفيفًا للمدينة. حتى من غادر الإسكندرية سنوات طويلة ثم عاد إليها، لا يكاد إلا أن يستدعي ذلك النبض تلقائياً. وكان الترام، لوقتٍ طويل، في قلب هذا النبض. الترام كمسرح يومي للحياة السكندرية هذه الذاكرة، حين نتأملها، ليست ذاكرة واحدة يمكن سردها من البداية إلى النهاية، بل كنسيج واسع من لحظات صغيرة عاشها ملايين الأشخاص في أزمنة مختلفة، واستقرت في الوعي الجمعي دون اتفاق مسبق. فكل سكندري تقريبًا يحتفظ بنسخته الخاصة من الترام، وهي نسخة تتميز عن الآخرين وتتشابه في الوقت ذاته في عديد من تفاصيلها: رحلة قصيرة إلى المدرسة، انتظار على محطة تحت شمس الصيف أو احتماء بسقف المحطة أو المظلة من مطر الشتاء، أو حديث عابر مع شخص غريب أصبح لعدة محطات رفيق طريق مؤقت. ومع تكرار هذه اللحظات عبر السنين، تحوّل الترام من مجرد وسيلة للانتقال إلى مسرح يومي لحياة المدينة، تمر فوق قضبانه قصص صغيرة لا تُكتب عادةً، لكنها تبقى راسخة في الذاكرة لأنها تشبه حياة الناس كما هي. ومن هذه التفاصيل المتفرقة، التي تبدو عادية في ظاهرها، تشكّل ذلك الرصيد الطويل من الذكريات الذي يستدعيه السكندريون كلما ذُكر

أين نحتمي من الشمس والمطر؟ التظليل في شوارع الإسكندرية

يُقصد بالتظليل أي غطاء يمنع وصول أشعة الشمس المباشرة إلى الأرض أو إلى واجهات المباني، وهو من أهم وسائل التبريد الطبيعية في المدن؛ إذ يساعد على تقليل درجات الحرارة ويحد من ظاهرة الجزر الحرارية التي تزيد من الشعور بالإجهاد الحراري

تسييج المساحات العامة في الإسكندرية

ضمن مشروع “الإسكندرية تحت المجهر“، يستعرض البحث ظاهرة التسييج للمساحات العامة في أحياء المدينة، ويركز على كيفية تحول المساحات العامة، التي يفترض أن تكون متاحة للجميع، إلى مناطق مغلقة أو ذات وصول محدود، مما يؤثر مباشرة على عدالة توزيع الموارد الطبيعية والترفيهية بين فئات المجتمع المختلفة، وذلك بتسليط الضوء على المسطحات الخضراء بتصنيفاتها الستة: الأشجار الممتدة في الشوارع، والمساحات والميادين، والمساحات الخضراء العامة، وشبه العامة، والخاصة والأراضي الزراعية، والأراضي الرطبة. كما نتناول مدى إتاحة رؤية البحر في كل حي، وفق ثلاث مستويات: رؤية، وعدم رؤية، وعدم رؤية مؤقتة، من خلال تأطير نظري للمفاهيم والتعريفات الرئيسية للمساحات العامة والتسييج والمساحات الخضراء، ثم عرض بيانات المساحات العامة لكل حي، وتصنيف الأحياء بناءً على ندرة المساحات الخضراء ونِسب رؤية البحر المتفاوتة. كذلك نعرض باختصار ظاهرة رفع كفاءة الحدائق في الإسكندرية في الفترة الأخيرة ضمن خطة المحافظة لتطوير الحدائق، وتأثير ذلك على إتاحة الموارد الطبيعية للسكان بمختلف قدراتهم الاقتصادية، حيث تظهر بيانات  المسح في البحث، بالإضافة إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء المتعلقة بمؤشرات الدخل والإنفاق والإستهلاك، كيف تُعزز سياسات التسييج حرمان الفئات ذات الدخل المحدود من الوصول الى هذه المساحات.

الإسكندرية تحت المجهر| عاشرًا: مركز ومدينة برج العرب

في إطار مشروع “الإسكندرية تحت المجهر“، بدأنا رحلة لرصد شامل للأحياء التسعة في الإسكندرية، بالإضافة إلى مركز ومدينة برج العرب، بهدف تقديم صورة أدق عن الواقع العمراني والاجتماعي والاقتصادي والبيئي لكل حي. نختم سلسلة التقارير بتناول مركز ومدينة برج العرب، والتي تُعد منطقة سكنية وصناعية أُنشئت بهدف الحد من الكثافة السكانية في وسط مدينة الإسكندرية، وتقع في أقصى الغرب من المحافظة. تنقسم المنطقة إلى مدينة ومركز برج العرب، ويضم المركز أربع شياخات، وقد أُضيفت إليه لاحقًا مجموعة من القرى الاستصلاحية. بينما تُعد مدينة برج العرب الجديدة، إلى جانب امتداداتها في الساحل الشمالي، من أبرز المجتمعات العمرانية الجديدة. وتأتي المنطقة ككل بعد حي العامرية ثانٍ في نسبة الأراضي المرتفعة عن مستوى سطح البحر، نظرًا لطبيعتها الصحراوية. كما تُصنَّف نسبة انعدام الرؤية العامة لساحل البحر بنحو 100%، نتيجة التوسع العمراني المغلق وانتشار القرى السياحية الخاصة، التي لا تتيح أي شواطئ عامة لعموم السكان، بل تُخصَّص شواطئها لرواد تلك القرى فقط. كما تضم برج العرب الجديدة مدينة الأبحاث العلمية والتطبيقات التكنولوجية، والتي تُعد من أكبر المناطق الصناعية في مصر، حيث تحتوي على خمس مناطق صناعية تضم أكثر من 1300 مصنع. تعاني المنطقة من ارتفاع نسبة  الوسائل غير الآمنة للتخلص من النفايات المنزلية، والتي تبلغ حوالي 54%. وتتركز الخدمات الصحية في مدينة برج العرب الجديدة، حيث توجد مستشفى تابعة لهيئة الشؤون الصحية، وأخرى جامعية. في المقابل تعاني القرى التابعة للمركز من نقص حاد في الخدمات الصحية الأساسية. يتناول التقرير بيانات للواقع السكاني والعمراني والتعليمي والصحي والبيئي والاقتصادي والخدمي للحي، سعيًا لإيجاد حلول وبناء للمستقبل.

الإسكندرية تحت المجهر| تاسعًا: حي العجمي

في إطار مشروع “الإسكندرية تحت المجهر”، أعددنا سلسلة تقارير مُفصّلة تغطي الأحياء التسعة للمدينة، بالإضافة إلى مركز ومدينة برج العرب. يأتي هذا المشروع سعيًّا لفهم أفضل للواقع العمراني والاجتماعي والاقتصادي والبيئي لكل حي، مما يتيح رؤية شاملة ودقيقة تسهم في دعم السياسات المحلية وتعزيز ممارسات التخطيط العمراني العادل. نستكمل سلسلة التقارير من تاسع الأحياء، حي العجمي. كان الحي يتبع حي العامرية إداريًا حتى عام 2007. وفي القرن الماضي، كانت المنطقة وجهة رئيسية لصيد الطيور للجنود البريطانيين عقب قصف الإسكندرية عام 1882، ثم تحولت تدريجيًا إلى منطقة فيلات صيفية مخصصة للنخبة، واستمر هذا الطابع حتى أواخر الستينيات مع تأميم الشركات الأجنبية، مما أدى إلى تحول أغلب هذه المنشآت إلى عقارات سكنية أثّرت على الطابع السياحي للمنطقة لكنها لم تنهِ مكانتها كوجهة راقية. يتبع الحي الآن إداريًا قسم الدخيلة، وينقسم إلى 7 شياخات، أبرزها المكس كمنطقة صيد وملاحة تاريخية، والدخيلة كمنطقة صناعية ولوجستية بها العديد من الشركات وميناء يحمل نفس الاسم دخل في حيز الاستخدام سنة 1986، والبيطاش كمنطقة مصيفية بشواطئ واسعة، لكنه بدأ الاتجاه نحو خصخصة الشواطئ في منطقتي بيانكي والهانوفيل مؤخرًا. منذ الثمانينات، شهد الحي توسعًا عمرانيًا عاليًا وصل حد التكدس السكاني، خاصةً وأنه يُعد من أرخص الأحياء في الإسكندرية من حيث سعر المتر في الأراضي وأسعار الوحدات السكنية. ورغم ذلك، يعاني الحي في الناحية الشرقية من عزلة عن باقي الأحياء، وانتشار واسع للبناء المخالف، كما يعاني من مشكلات في خطوط المياه والصرف الصحي، وندرة في المساحات الخضراء العامة مثل الحدائق والمتنزهات، كما الحال في عامرية أول وثان. وتنتشر وسائل النقل غير الرسمية داخل الحي وخارجه دون تسعير رسمي نظرًا لخطوط السير غير المعتمدة، كما تعاني العديد من الطرق الداخلية من الإهمال وعدم الرصف، إلى جانب التعديات على الأرصفة. أما بالنسبة للمنشآت الصحية، فيفتقر الحي إلى مكاتب الصحة وبنوك الدم. نستكمل سلسلة التقارير من تاسع الأحياء، حي العجمي. يتناول التقرير بيانات للواقع السكاني والعمراني والتعليمي والصحي والبيئي والاقتصادي والخدمي للحي، سعيًا لإيجاد حلول وبناء للمستقبل.

الإسكندرية تحت المجهر| ثامنًا: حي ثان العامرية

نستكمل سلسلة التقارير من ثامن الأحياء، حي عامرية ثان. يُعد الحي أكبر أحياء المحافظة من حيث المساحة، ويضم ستاد برج العرب البالغ مساحته 145 فدانًا، كما يضم الحي العديد من الأديرة والكنائس الأثرية، كمنطقة الشهيد مارمينا العجايبي الأثرية، والتي ظلت مدفونة في الصحراء لما يقارب 1600 سنة، واكتُشِفت عام 1905.

الإسكندرية تحت المجهر| سادسًا: تقرير حي وسط

في إطار مشروع “الإسكندرية تحت المجهر“، أعددنا سلسلة تقارير مُفصّلة تغطي الأحياء التسعة للمدينة، بالإضافة إلى مركز ومدينة برج العرب. يأتي هذا المشروع سعيًّا لفهم أفضل للواقع العمراني والاجتماعي والاقتصادي والبيئي لكل حي، مما يتيح رؤية شاملة ودقيقة تسهم في دعم السياسات المحلية وتعزيز ممارسات التخطيط العمراني العادل. نستكمل سلسلة التقارير من سادس الأحياء، حي وسط؛ حيث تتلاقى العصور التاريخية في شوارع متداخلة زاخرة بتراثٍ معماري وثقافي وديني متنوع، من شارع هو الأقدم في المدينة، ومقامات لأولياء صالحين، إلى مسرح يوناني من الجرانيت الوردي، وكنيسة تُعد الأقدم في إفريقيا، ومعبدٍ يحتفظ بمخطوطات دينية من القرن الخامس عشر، وستاد رياضي مستوحَى من أقواس النصر اليونانية بأركانٍ من بقايا حصن المدينة الإسلامي، وبناياتٍ شامخة من القرن التاسع عشر، وحديقة بنباتات نادرة وشلالات صناعية أُسِّسَت على مساحة 8 أفدنة على بقايا أسوار وصهاريج المدينة التاريخية، ومكتبة تحمل اسم المدينة تضم أكثر من مليوني كتاب ومخطوط. يُسَطر الحي صفحات من الإرث الحضاري الفريد، منذ تأسيس الإسكندرية عام 331 قبل الميلاد على يد الإسكندر الأكبر. كما يحصد الحي في الوقت الحاضر، المركز الأول بين أحياء الإسكندرية من حيث عدد المستشفيات الحكومية، مثل المستشفى الإيطالي، ومستشفى ناريمان، والميري، إضافةً إلى أكبر عدد من مراكز وعربات الإسعاف، والخدمات الطبية للطلبة، والمستشفيات الجامعية. يتناول التقرير بيانات للواقع السكاني والعمراني والتعليمي والصحي والبيئي والاقتصادي والخدمي للحي، ليكون أول خطوة في مشروع يهدف إلى الوقوف على الواقع، ثم تحليله لإيجاد حلول وبناء للمستقبل.

ندوات باحثي المدينة – النسخة الثانية

نظّم الإنسان والمدينة للأبحاث الإنسانية والاجتماعية، ضمن النسخة الثانية من برنامج باحثي المدينة، ندوتين نقاشيتين عبر الإنترنت خلال شهر مايو 2025، بهدف تسليط الضوء على مخرجات الأوراق التي أعدّها المشاركون/ات في البرنامج.

نظّم الإنسان والمدينة للأبحاث الإنسانية والاجتماعية، ضمن النسخة الثانية من مشروع باحثي المدينة، ندوتين نقاشية عبر الإنترنت خلال شهر مايو 2025، بهدف تسليط الضوء على مخرجات الأوراق التي أعدّها المشاركون/ات في البرنامج.

اشترك في قائمتنا الأخبارية