خريطة توزيع مستويات القيمة الإيجارية وفقًا للقرار رقم 312 لسنة 2025 عن محافظة الإسكندرية

أُنتِجت هذه الخريطة بناءً على القرار رقم 312 لسنة 2025 الصادر عن محافظة الإسكندرية، بشأن تحديد القيم الإيجارية للوحدات السكنية التي كانت خاضعة لقانون الإيجار القديم. وقد قسّم القرار مناطق الإسكندرية المختلفة إلى ثلاثة مستويات إيجارية (مناطق: متميزة، ومتوسطة، واقتصادية). كما تم الاعتماد على كلٍّ من الصفحة الرسمية لمحافظة الإسكندرية، وOpenStreetMap، وصور Google Earth، بالإضافة إلى خرائط تاريخية لحي الجمرك من مركز الدراسات السكندرية (CEALex)، لرسم حدود المناطق على الخريطة.

مائدة مستديرة: المعرفة الحضرية، والمخاطر المناخية، والتحليل على مستوى الأحياء في الإسكندرية

استضاف الإنسان والمدينة للأبحاث الإنسانية والاجتماعية، يوم الخميس الموافق 23 أبريل 2026 مائدة مستديرة ثرية بعنوان “المعرفة الحضرية، والمخاطر المناخية، والتحليل على مستوى الأحياء في الإسكندرية”، بمشاركة ممثلين عن جامعة باريس 8 (Paris 8) وجامعة سيتي Paris Cité University ومركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والاجتماعية والقانونية (CEDEJ) ومركز الدراسات السكندرية (CEAlex).  ركز الجزء الأول من اللقاء على استعراض رؤية المؤسسة وأهدافها في سد الفجوات المعرفية، إلى جانب توضيح أسباب اختيار مدينة الإسكندرية كمشروع بحثي، من خلال استعراض مشروع “الإسكندرية تحت المجهر”، عبر المعرفة العمرانية والمخاطر المناخية على مستوى أحياء المدينة التسعة بالإضافة إلى مركز ومدينة برج العرب، بالإضافة إلى شرح “إطار عمل مخاطر المناخ”،  وتقرير “مؤشرات تقييم المخاطر”، مع تسليط الضوء على التحول الجوهري في استراتيجيات تقييم المخاطر المناخية من خلال التساؤل حول “أين يكمن الخطر؟” إلى “من هم المعرضون للخطر ولماذا؟”. واستُكملت الفعالية بعروض لممثلي الجهات الشريكة حول مشروعاتهم، مثل مشروع (Fairville Lab) وتطبيق هذا المشروع في مصر تحت عنوان Giza Fairville Lab في منطقة منشية دهشور وحي الزبالين، بالتعاون مع NSCE  والاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى المشترك بين فرنسا ومصر. واختتم اليوم بجلسة نقاشية مفتوحة حول آفاق العمل العمراني والمناخي المشترك.

الترام وذاكرة المدينة .. ماذا تخسر الإسكندرية؟

إحباط جماعي الترام ليس مجرد وسيلة نقل. هذه جملة سهلة، وربما مستهلَكة، فوسائل النقل الأخرى أيضًا ليست مجرد وسائل نقل، أو هكذا يُفترض. ومع ذلك لا يثير توقف بعضها هذا القدر من القلق الجماعي والحسرة الممتدة بين قطاعات واسعة من السكندريين إزاء توقف ترام الرمل تمهيدًا للمشروع الجديد، والسرعة الكبيرة في هدم المحطات وتفكيك الخط. وهي حالة لا تقتصر على مستخدميه المباشرين، بل تشمل أيضًا من ارتبطوا به رمزيًا ووجدانيًا. تجلى ذلك في الحضور المتكرر على محطات الترام- قبل هدمها- رغم توقف المرفق، وفي الكثافة اللافتة للتفاعلات ذات الطابع الحزين أو الرافض على الفضاءات الرقمية، ولا سيما على موقع فيسبوك؛ حيث تحولت المنشورات على الحسابات الرسمية حول مشروع “تطوير ترام الرمل” إلى مساحة للتعبير عن شعور بالفقد يتجاوز بوضوح البعد الوظيفي لوسيلة النقل. يشير هذا النمط من التفاعل إلى أن الترام لم يكن بنية وظيفية للحركة فقط، بل مكوِّنًا من مكونات الذاكرة الحضرية والهوية المكانية للإسكندرية، وأن المساس به يُستقبل بوصفه تهديدًا لعنصر مستقر في الخبرة اليومية. ما وراء الجدل التقني وإذا كان الجدل الدائر حول المشروع قد انصرف في جانب منه إلى مخاوف عملية ومباشرة، فإن المسألة في جوهرها أعمق من ذلك. فالمشكلة لا تقتصر على الأزمات المتوقَّعة، ومنها تزامن المشروع مع مشروع مترو الإسكندرية بديل قطار أبي قير[1]، وما يصاحبه من مخاوف بتكدس حتمي في شوارع المدينة المزدحمة بالفعل. كما لا تقتصر على التفاصيل المتعلقة بعملية فك وإزالة وبيع المرفق نفسه، من عربات ومعدات ومحولات وغرف تغذية الخط والقضبان والشبكة الكهربية والبنية بأكملها، والتي قيل إن مناقصتها رست على شركات محلية بمبلغ اعتبره كثيرون شديد الزهد بالنسبة لمرفق كان يعمل يوميًا دون انقطاع أو أعطال تُذكر لأكثر من قرنٍ من الزمن، مما يجعله في صميم التراث حتى وإن لم يُدرَج في لائحة التراث، في ظل خلوٍ ملحوظ للمواقع الصحفية الحكومية وغير الحكومية من أخبار المناقصة وتفاصيلها. أهداف التطوير المعلَنة على موقعها الإلكتروني، ذكرت الهيئة القومية للأنفاق أربعة أهداف أساسية وراء المشروع، من بينها “تحقيق عائد اقتصادي نتيجة توفير استهلاك الوقود وخفض معدلات التلوث البيئي وخفض الاختناقات المرورية بالمحاور والشوارع الرئيسية وجذب نسبة من الركاب لاستخدام هذه الوسيلة بدلاً من استخدام السيارات الخاصة”، وكذلك “المحافظة على البيئة الطبيعية والاجتماعية وصحة المواطنين نتيجة تقليل التلوث البيئي والضوضاء باستخدام الطاقة الكهربائية النظيفة”[3]. مفارقة الطاقة النظيفة: الترام كهربائي منذ أكثر من قرن غير أن هذه الأهداف- رغم وجاهتها من حيث المبدأ- تثير بدورها بعض الأسئلة عند مقارنتها بطبيعة المرفق الذي كان قائمًا بالفعل والذي هُدمت محطاته وفُككت بنيته. فالترام كان يعمل بالكهرباء منذ عام 1904، عندما قررت الشركة المشغلة له آنذاك (شركة سكك حديد الإسكندرية والرمل) استبدال القاطرات البخارية بقاطرات كهربائية[4]، وذلك في مرحلة كانت الخدمة فيها مقتصرة على استخدام الأسرة الخديوية، قبل إتاحتها جماهيريًا عام 1909[5]. إذًا، الترام في الأصل وسيلة نقل منخفضة الانبعاثات مقارنةً بوسائل النقل المعتمدة على الوقود الأحفوري، الأمر الذي يجعل مسألة التحول إلى الطاقة الكهربائية النظيفة هدفًا متحققًا بالفعل في النظام القائم، لا هدفًا جديدًا يستدعي إعادة هيكلة جذرية للمرفق. توسعة الطرق والطلب المروري المستحث كما أن التصميم المقترح، الذي يعتمد على مسارات علوية في أجزاء من الخط بغرض فصل مسار الترام عن مسار السيارات، يطرح مفارقة أخرى تتعلق بالهدف المُعلَن المتمثل في خفض استهلاك الوقود وتقليل التلوث. فرفع مسار الترام قد يستلزم عمليًا توسعة الطريق أسفل هذه المسارات بعد إزالة الخط القديم لاستيعاب الحركة المرورية، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة سعة الطرق أمام السيارات الخاصة بدلاً عن تقليص الاعتماد عليها. وقد أظهرت تجارب حضرية عديدة أن توسيع الطرق غالبًا ما يؤدي إلى ما يُعرف بالطلب المروري المستحث (Induced Demand Traffic)، أي زيادة عدد السيارات مع كل توسعة للطريق، وهو ما يقود في النهاية إلى ارتفاع استهلاك الوقود ومعدلات التلوث بدلاً عن خفضها[6]. في حين كان من الممكن التفكير في حلول تنظيمية أقل كلفة وأقل تأثيرًا على النسيج العمراني، مثل استخدام مزلقانات إلكترونية وكاميرات مراقبة لفرض فصل المسار، إلى جانب حملات توعية وفرض غرامات صارمة على المخالفين، وهي إجراءات كان يمكن أن تزيد فعالية المرفق بشكله القائم بدلاً عن إنشاء مسار جديد قد يغير معالم المناطق التي يمر بها تغييرًا جذريًا. الترام والنسيج الاجتماعي للمدينة ولا يقتصر أثر هذا التحول على الجوانب المرورية والبيئية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى النسيج الاجتماعي للمناطق التي يمر بها الترام. فقد تشكلت على مدار عقود طويلة أنماط من الحياة اليومية حول مسار الترام ومحطاته: أسواق صغيرة، وأنشطة تجارية محلية، وحركة مشاة مرتبطة بوجود المرفق على مستوى الشارع. وأي تغيير جوهري في شكل المسار أو طبيعة المحطات سيؤدي بالضرورة إلى إعادة تشكيل هذه الأنماط، بما يحمله ذلك من آثار محتملة على الحياة الاجتماعية والاقتصادية المحلية. ومن ثمّ، فإن تقييم المشروع لا ينبغي أن يقتصر على مؤشرات الكفاءة الإنسيابية للمرفق وحده، بل ينبغي أن يأخذ في الاعتبار أيضًا أثره على البنية الحضرية والاجتماعية التي تشكلت تاريخياً حول هذا المرفق. الذاكرة الحسية للمدينة: ما لا تقيسه الأرقام إضافةً إلى كل هذه الاعتبارات، لا يمكن تجاهل أمر أعمق وأقل قابلية للقياس بالأرقام، وهو صميم الذاكرة الحسية للمدينة، تلك التي يشعر كثيرون أنها مهدَّدة في جوهرها. إنها ذاكرة رُسمت داخل الوعي الجمعي، أو بالأحرى نُقشت فيه، عبر زمن طويل من التكرار والاعتياد. لم تتكون هذه الذاكرة في لحظة واحدة، ولم تصنعها مناسبة بعينها، ولم تكن جميلة أو سعيدة بالضرورة. لقد تراكمت ببساطة من تفاصيل صغيرة، حفظها الجسد كما حفظها العقل، حتى صارت نبضًا خفيفًا للمدينة. حتى من غادر الإسكندرية سنوات طويلة ثم عاد إليها، لا يكاد إلا أن يستدعي ذلك النبض تلقائياً. وكان الترام، لوقتٍ طويل، في قلب هذا النبض. الترام كمسرح يومي للحياة السكندرية هذه الذاكرة، حين نتأملها، ليست ذاكرة واحدة يمكن سردها من البداية إلى النهاية، بل كنسيج واسع من لحظات صغيرة عاشها ملايين الأشخاص في أزمنة مختلفة، واستقرت في الوعي الجمعي دون اتفاق مسبق. فكل سكندري تقريبًا يحتفظ بنسخته الخاصة من الترام، وهي نسخة تتميز عن الآخرين وتتشابه في الوقت ذاته في عديد من تفاصيلها: رحلة قصيرة إلى المدرسة، انتظار على محطة تحت شمس الصيف أو احتماء بسقف المحطة أو المظلة من مطر الشتاء، أو حديث عابر مع شخص غريب أصبح لعدة محطات رفيق طريق مؤقت. ومع تكرار هذه اللحظات عبر السنين، تحوّل الترام من مجرد وسيلة للانتقال إلى مسرح يومي لحياة المدينة، تمر فوق قضبانه قصص صغيرة لا تُكتب عادةً، لكنها تبقى راسخة في الذاكرة لأنها تشبه حياة الناس كما هي. ومن هذه التفاصيل المتفرقة، التي تبدو عادية في ظاهرها، تشكّل ذلك الرصيد الطويل من الذكريات الذي يستدعيه السكندريون كلما ذُكر

Urban Lab Camp 2024| Degrowth: Reflections from the Global

“It seems that the world is growing in reverse for us, the countries of the South.” An ascending straight line is often expected in economic growth, as such development projects and narratives are founded and created. Nations compete over natural resources to continue this upward trajectory towards prosperity. However, the flip side of this expectation to maintain the speed and boldness of the ascending straight line is that it moves like a carriage, breaking bodies in its path. Is it possible to slow down so that to think or reconsider the trajectory? Are nations really growing, or is it just a silly game that the world has been engaged in for thousands of years and has not lost its allure? This publication features the outcomes of the sixth Urban Lab Camp (ULC) held in Port Said from 12 to 16 September 2024, in partnership between Friedrich-Ebert-Stiftung (FES) Egypt Office, and the Bibliotheca Alexandrina, in collaboration with the Human and the City for Social Research (HCSR) and several specialists showcasing the Urban Lab Camp methodology as a cooperative platform of critical knowledge production on the intersections of urbanism, climate change and development. The volume focuses on the concept of “degrowth” from the perspective of the Global South, and specifically from the Egyptian experience, as an entry point to questioning the globally-dominant growth patterns and their relationship with urban transformations, climate changes and climate and social justice. Texts tackle the intersections of urbanism, consumerism, and managing natural resources, and pose questions on the beneficiaries and the marginalized from growth, and the possibilities of alternative paths towards a more just and sustainable development.  Participants exceeded twenty, with varied educational and professional backgrounds across economics, urban planning, agriculture, arts, and humanities, and geographically ranging from the far north on the Mediterranean coast to the far south in Aswan, reflecting different approaches to the Egyptian experience and its positionality within the Global South. Such a publication aspires to be a tool for critical thinking, opening spaces to reconsider the concepts of progress and development, and relate them to the cities’ need and local potentials.

المختبر الحضري 2024| كتاب “تفكيك النمو: تأملات نقدية من الجنوب العالمي”

صدر حديثًا بالعربية والإنجليزية كتاب “تفكيك النمو: تأملات نقدية من الجنوب العالمي” – “Degrowth: Reflections from the Global” يأتي إصدار  النسخة السادسة من المختبر الحضري –Urban Lab Camp 6th، “تفكيك النمو: تأملات نقدية من الجنوب العالمي”، الذي انقعدت جلساته في مدينة بورسعيد خلال الفترة من 12 إلى 16 سبتمبر 2024، بالشراكة بين مؤسسة فريدريش إيبرت – مكتب مصر ومكتبة الإسكندرية، وبالتعاون مع الإنسان والمدينة للأبحاث الإنسانية والاجتماعية وعدد من المتخصصين/ات، وتظهر فيه المنهجية التي يتبناها المختبر الحضري بوصفه مساحة تشاركية لإنتاج معرفة نقدية حول تقاطعات العمران والتغير المناخي والتنمية، انطلاقًا من السياقات المحلية وللتعرف عن قرب على مثال للمدينة الحضرية ذات النموذج الاقتصادي والعمراني والتراثي المميز والتحديات التي ربما تواجهها بسبب “التنمية” و”التطوير” خارج مركزية القاهرة الكبرى والإسكندرية إلى حد ما. يركز الإصدار على مفهوم تفكيك النمو – Degrowth من منظور الجنوب العالمي، ومن واقع التجربة المصرية بشكل خاص، باعتباره مدخلًا لمُساءلة نماذج النمو الاقتصادي السائدة عالميًا، وعلاقتها بالتحولات العمرانية والتغير المناخي والعدالة الببيئية والاجتماعية. كما تتناول النصوص المنشورة في الإصدار قضايا تتقاطع بين العمران والاستهلاك وإدارة الموارد الطبيعية، وتطرح تساؤلات حول من يستفيد من النمو ومن يُقصى عنه، وإمكانية بلورة مسارات بديلة للتنمية أكثر عدالة واستدامة. يجمع الإصدار مساهمات لعشرين من مشاركين/ات من خلفيات معرفية متنوعة، بين الاقتصاد والعمران والزراعة والأدآب والعلوم الإنسانية، امتد تموضعهم الجغرافي من شمال البحر المتوسط إلى أقصى جنوب أسوان، ما أتاح مقاربات متعددة من التجربة المصرية وتموضعها ضمن الجنوب العالمي. ويطمح هذا العمل إلى أن يكون أداة للتفكير النقدي والعملي، تفتح مساحات لإعادة النظر في مفاهيم التقدم والتنمية، وربطها باحتياجات المدن وإمكاناتها المحلية مستقبليًا.

العنف والهشاشة في سياق النزوح الحضري للنساء السودانيات في الإسكندرية

يهدف هذا التقرير إلى تسليط الضوء على أوضاع النساء السودانيات النازحات إلى مصر عقب اندلاع الحرب في السودان، مع التركيز بشكل خاص على مدينة الإسكندرية. يستعرض التقرير كيف تتقاطع فجوات الحماية القانونية والمؤسسية لتخلق أنماطًا مركبة من العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتؤثر على قدرة النساء على الوصول إلى الخدمات الأساسية. كما يحلل مدى فاعلية منظومة الخدمات المتاحة في توفير حماية حقيقية تتناسب مع خصوصية وضع المرأة النازحة.

لماذا لا تنجح مؤتمرات المناخ؟!

بعد ثلاثة عقود من انعقاد مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ COP، وبعد انتهاء النسخة الثلاثين للمؤتمر في بيليم، البرازيل، والتي انتهت كما كان متوقعًا دون التوصل لنص يُقرّ بخروج تدريجي من الوقود الأحفوري والاكتفاء بالتوصية على التحوّل “الطوعي” عن الاعتماد عليه، والتأكيد على إجراءات خفض الانبعاثات، وتشجيع الدول المتضررة من تبعات تغير المناخ على تعزيز إجراءات التكيف، وحث الدول الكبرى على زيادة التمويل المناخي لمساعدة الدول الأكثر تضررًا على التكيف، أصبح من الضروري تقييم جدوى مؤتمرات المناخ نفسها: هل لا تزال قادرة على دفع العالم نحو التحول المطلوب، أم أنها تحوّلت إلى عملية دبلوماسية تُنتج نصوصًا توافقية لا تمس جوهر المشكلة، بينما تتفاقم الأزمة المناخية بمعدلات تفوق قدرة هذا النظام الدولي البطيء على مواكبتها؟ المُلفت أن المسودة النهائية لمؤتمر الأطراف COP 30 تضمنت، وللمرة الأولى في تاريخ نصوص مؤتمرات الأطراف، إقرارًا صريحًا بأن العالم يتجه نحو ارتفاع سيتخطى 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2100 وربما أكثر، وهو ما أشارت إليه عدة تحليلات مستقلة لنتائجCOP 30 .(Carbon Brief, 2025; NewsClick, 2025; UK Parliament Research Briefing, 2025) مما يعني أن كافة الجهود التي لا تُبذَل أصلاً للإبقاء على أهداف وتوصيات مؤتمر باريس 2015 قبل عشر سنوات (UNFCCC, 2015) قد تجاوزتها الأزمة المتمددة وتخطّاها الزمن ولم تعد كافية لمنع الآثار الفادحة المستقبلية. لا تزال دول العالم تعتمد على الأدوات التفاوضوية البطيئة في مواجهة أزمة صارت محسوسة في كل تفاصيل حياة البشر حاليًا؛ حيث يتغير المناخ بسرعة أكبر بكثير من قدرة الأنظمة السياسية والاقتصادية على التكيّف. ففي الوقت الذي يزحف فيه الجفاف على أجزاء واسعة من الكوكب وتتعرض أجزاء واسعة أخرى للسيول والفيضانات وتتعرض الدول الجُزُرية لخطر الغرق بارتفاع مياه المحيط، تبقى غرف التفاوض منشغلة بتدوير الصيغ نفسها وصناعة نصوص محايدة لا تزعج مراكز القوة الاقتصادية أو مصالح الصناعات الأحفورية. وإلى جانب هذا النفوذ، تبقى قرارات مؤتمر الأطراف غير مُلزِمة بطبيعتها ولا تملك آليات إنفاذ أو محاسبة فعلية. هذا التناقض بين سرعة الانهيار المناخي وبطء القرار الدولي من جهة وحجم الكارثة المتسارع ولغة التفاوض الجامدة من جهة أخرى، هو المدخل لفهم فشل منظومة مؤتمر الأطراف (COP) في وضع العالم على مسار حقيقي للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. بِنية النظام الدولي… قوة الشركات والدول الكبرى فوق أي اعتبار يكمن أساس المشكلة في كون القرار بشأن الأزمة المناخية مُقيّد ببنية النظام السياسي والاقتصادي العالمي، بما يسمح للأطراف المسؤولة عن الانبعاثات الحرارية بامتلاك ما يشبه حق الفيتو غير المُعلن داخل مفاوضات المناخ. تُتخذ القرارات بالإجماع، وتُفصّل النصوص حرفًا بحرف لإرضاء جميع الأطراف، وهذا يعني فعليًا إرضاء الأطراف الأكثر قوة ونفوذًا؛ وهي الدول الكبرى وشركات النفط والغاز والمؤسسات المالية العابرة للحدود. ولا يقف الخلل عند حدود عدم إلزام قرارات COP، بل يمتد أيضًا إلى طبيعة آليات المتابعة والشفافية في اتفاق باريس نفسه. فإطار الشفافية المعزّز (ETF) صُمّم أساسًا كأداة للإبلاغ وتبادل المعلومات؛ حيث تقدم الدول جردًا لانبعاثاتها وتقدمها في تنفيذ مساهماتها الوطنية، ثم تُخضع هذه البيانات لمراجعة تقنية وحوار تيسيري بين الأطراف. وبالمثل، تُعرّف لجنة تنفيذ اتفاق باريس (PAICC) رسميًا على أنها لجنة تيسيرية، غير عقابية، وغير خصامية، (UNFCCC–ETF Reports, 2023; UNFCCC–GGA Reports, 2024) هدفها دعم الأطراف في التنفيذ وليس مساءلتها أو فرض الامتثال عليها. ونتيجة لذلك، تبقى هذه الآليات أقرب إلى حوارات طوعية منها إلى أدوات متابعة فعلية، فلا تتحول الشفافية إلى محاسبة، ولا تملك القدرة على دفع الدول نحو ما تفرضه العدالة المناخية. هذه المنظومة ليست نتاج خلل ظرفي أو مؤقت، بل تُشكِّل أغلب دعائم النظام الاقتصادي العالمي الذي نشأ في القرن العشرين ولا يزال يحكم القرن الحادي والعشرين، لذلك تتمكن لوبيات الطاقة من تطويع المؤسسات السياسية والأممية ليخرج كل مؤتمر بنسخة جديدة من “لغة بلا التزامات” تحمي استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري. بل ويتواجد مندوبو جماعات ضغط الوقود الأحفوري بعدد أكبر من وفود الدول ذاتها؛ إذ سجّل تحالفKick Big Polluters Out (اطردوا المُلوِثين الكبار) وجود أكثر من 1600 ممثل عن شركات الوقود الأحفوري داخل المؤتمر (Al-Jazeera, 2025). وفي دوراتٍ سابقة، شهدت القمم المناخية توقيع صفقات نفط وغاز على هامش الاجتماعات نفسها التي يُفترض أنها مخصّصة للتفاوض حول التخلص من الوقود الأحفوري (The Guardian, 2023). هيمنة لغة التحايل طورت الدول المُنتِجة للنفط وجماعات ضغط الوقود الأحفوري والدول الكبرى مهارة في التحايل اللغوي داخل المفاوضات، فعبارة “التخلص من الوقود الأحفوري” لا تجد طريقها بسهولة إلى النصوص النهائية، وتضغط بنجاح لاستبدالها بمفاهيم أخرى تبدو تقنية أو محايدة مثل “خفض الانبعاثات” و”وقود منخفض الانبعاثات” و”الخيارات المتنوعة للطاقة” و”الانتقال المرن”. تخلق هذه المفاهيم إيحاءً بالتحرك، لكنها لا تجبر الدول على أي التزام فعلي. فالاستخدام المتزايد لمصطلح “خفض الانبعاثات” والذي حل محل “التخلص من الوقود الأحفوري” يُبقي الباب مفتوحًا أمام استمرار استخراج النفط والغاز، بل والتوسع فيهما أيضًا بشرط تحسين تقنيات الحرق أو احتجاز الكربون. لكن هذه التقنيات، كما تشير تقييمات علمية متكررة، غير قادرة على خفض الانبعاثات بالسرعة والحجم المطلوبين، وتُستخدم غالبًا كأداة لإرجاء التحول الطاقي بدلًا عن تسريعه. لماذا تتردد دول الجنوب العالمي في المطالبة بوقف الاعتماد على الوقود الأحفوري؟ رغم أن دول الجنوب تتحمل العبء الأقسى من آثار التغيرات المناخية- من جفاف ممتد لأعاصير وفيضانات وحتى تهديد أمنها الغذائي- إلا أنها تظل حذِرة ومترددة في المطالبة بشكل حاسم بالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. هذا التردد ليس تناقضًا بين كونها الأكثر معاناة وبين حتمية أن تكون في مقدمة المطالبين بإنهاء الاعتماد على الوقود الأحفوري بقدر ما هو نتاج شروط بنيوية غير عادلة لمنظومة عالمية خلقت واقعًا اقتصاديًا يجعل من التحول لإنهاء الاعتماد على مصادر الطاقة القديمة قفزة في المجهول اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا. ويمكن تلخيص هذه الأسباب في ثلاث نقاط رئيسية: هذا الاعتماد البنيوي يجعل التخلي عن الوقود الأحفوري محفوفًا بمخاطر اقتصادية واجتماعية لا يمكن تحملها وحدها دون تمويل خارجي كافٍ لمساعدتها على بناء بنية تحتية للطاقة المتجددة ودون حماية اجتماعية للمجتمعات الأكثر هشاشة وحماية من الكوارث المناخية المتسارعة. آليات التمويل.. فشل أم إفشال؟ أحد أكثر مظاهر الخلل تكرارًا هو الاعتماد على “صناديق تمويل المناخ” التي تنشأ كل حين وآخر دون أن تتغير وظيفتها الحقيقية الافتراضية. يُعلن كل مؤتمر عن صندوق جديد للـ”خسائر والأضرار”، أو “التكيف”، لكن هذه الصناديق غالبًا ما تبقى بلا موارد حقيقية، وبلا شروط واضحة للصرف، وتوضع تحت إشراف نفس المؤسسات المالية الدولية التي تُثقل كاهل دول الجنوب بالشروط القاسية عند الإقراض، وغالباً ما تُصرف هذه الأموال على هيئة قروض أو منح قصيرة الأجل. حتى صندوق الخسائر والأضرار— الذي قُدّم بوصفه إنجازًا تاريخيًا— فإن نطاقه يتركز أساسًا على الكوارث المفاجئة مثل الفيضانات والأعاصير، بينما تبقى الخسائر البطيئة وطويلة الأمد، مثل تآكل

الأسبوع الأول من قمة المناخ COP 30: رسائل سياسية قوية وقيادة برازيلية نحو التخلي عن الوقود الأحفوري

افتُتحت قمة المناخ في بيليم، البرازيل، برسائل حادة من القادة، كان أبرزها من الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا الذي دعا إلى أن تكون القمة “قمة الحقيقة”، مقترحًا خارطة طريق عالمية للتخلي عن الوقود الأحفوري ووقف إزالة الغابات. دعمت هذه الدعوة 63 دولة حتى نهاية الأسبوع الأول، مما يجعلها خطوة تاريخية محتملة، بشرط إدراج العدالة والتمويل ومبدأ المسؤوليات المشتركة والمتباينة (CBDR). الأمين العام للأمم المتحدة وصف تجاوز 1.5°م بأنه “فشل أخلاقي”، فيما انتقد الكثيرون غياب الولايات المتحدة الأمريكية في عهد ترامب. نالت البرازيل الثناء لدورها القيادي، لكنها تعرضت لانتقادات لمنحها ترخيصًا للتنقيب عن النفط في الأمازون، ما يتعارض مع خطاباتها بشأن حماية الغابات. التمويل المناخي والخسائر والأضرار: وعود متواضعة وسط فجوة هائلة في التنفيذ تم إطلاق صندوق الخسائر والأضرار رسميًا بتعهدات أولية لا تتجاوز 788 مليون دولار، وهو مبلغ اعتبرته الدول النامية غير كافٍ. ما تزال وعود الدول الكبرى، مثل تخصيص 1.3 تريليون دولار سنويًا بحلول 2030، دون تنفيذ واضح.رغم تصاعد الوعي، لم يتم التوصل إلى التزامات ملموسة بشأن من سيموّل آلية الانتقال العادل، أو كيف سيتم ذلك، وما هي الأدوات الرقابية التي ستضمن عدالته. رئيس المؤتمر أجّل النقاشات الأهم حول تمويل التحول الطاقي وسوق الكربون، ما أجّل المواجهة السياسية الحقيقية حول جذور الأزمة. كما برزت اقتراحات لفرض ضرائب على أرباح شركات النفط أو على تذاكر السفر لدرجة رجال الأعمال لتمويل المناخ. خفض الانبعاثات وفجوة الطموح: مطالبات برفع سقف التعهدات وإدراج خارطة طريق للتحول تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن التعهدات الحالية تضع العالم على مسار يتجاوز 2.5°م من الاحترار. رغم انخفاض طفيف في منحنى الانبعاثات، يظل التقدم غير كافٍ. طالبت دول عديدة بإدراج بند خفض الانبعاثات ضمن جدول أعمال القمة، لكن ذلك واجه اعتراضات. عادت النقاشات أيضًا حول سوق الكربون؛ حيث يعد وسيلة للتحايل البيئي دون معالجة جذور الانبعاثات. حقوق الشعوب الأصلية والاحتجاجات: اقتحامات ومسيرات ضخمة تطالب بالعدالة المناخية شهد الأسبوع الأول احتجاجات غير مسبوقة من السكان الأصليين، خاصةً قبيلة الموندوروكو التي قطعت المدخل الرئيسي للمنطقة الزرقاء للمؤتمر، مطالبة بوقف الأنشطة الاستخراجية حول روافد نهر الأمازون. تزامن ذلك مع مسيرات واسعة تجاوزت 50 ألف شخص، طالبت بحماية حقوق أراضي الشعوب الأصلية ووقف تغول الشركات. كما طُرحت بقوة مسألة الهجرة المناخية، وعرض ممثلون من دولتي هايتي والبرازيل حالات نزوح قسري بسبب الغرق والظواهر المناخية المتطرفة.  الوقود الأحفوري والانتقال العادل: خارطة طريق طموحة وأسئلة مؤجلة شهد الأسبوع الأول من COP 30 اعترافًا رسميًا لأول مرة بـ”التحول العادل نحو الطاقة النظيفة”، مع إدراج “آلية العمل الثنائي” في مسودة القرارات. كما دعمت مجموعة الـ77 والصين إنشاء آلية دولية تضمن الانتقال العادل، بينما أيّدت البرازيل و63 دولة خارطة طريق للتخلي عن الوقود الأحفوري بشرط إدراج العدالة والتمويل ومبدأ المسؤوليات المشتركة. لكن هذا الزخم اصطدم بتأجيل لمناقشات تمويل الانتقال وأسواق الكربون، باعتبارها وسيلة للتضليل. في المقابل، واصلت بعض الدول الترويج لحلول تقنية قد تعتبر التفافًا على هدف إنهاء الاعتماد على الوقود الأحفوري. وبين الطموح المُعلن والتأجيل الفعلي، تبقى الأسئلة الكبرى معلّقة دون إجابة:  مواقف المنظمات غير الحكومية: دعوات للتحرك الحاسم وانتقادات لهيمنة الملوثين أصدرت المنظمات غير الحكومية تقارير تنتقد بطء التقدم، وتطالب بخطة واضحة لخفض الانبعاثات ووقف إزالة الغابات. كما نددوا بحضور أكثر من 1,600 ممثل لشركات الوقود الأحفوري في القمة، وحذروا من نفوذ جماعات ضغط الصناعات الاستخراجية في عملية اتخاذ القرار. وحذرت هذه المنظمات من الالتفاف على مطالب العدالة المناخية من خلال نظم الكربون المضللة والوعود غير الممولة، وطالبت بأن “يدفع الملوثون ثمن الضرر” بدلاً عن تحميل المجتمعات الهشة التبعات. الهيئات الرسمية الدولية: الأمم المتحدة تحذر من تجاوز 1.5°م وتطلق مبادرات لمواجهة التضليل حذّر الأمين العام للأمم المتحدة من العواقب الكارثية لتجاوز هدف 1.5°م، واصفًا ذلك بـ”الإهمال القاتل”. أطلقت الأمم المتحدة “إعلان بيليم للنزاهة المعلوماتية” لمكافحة المعلومات الزائفة عن المناخ. وعرضت الأمانة التنفيذية للمناخ بيانات تظهر أول انخفاض في منحنى الانبعاثات، لكن أكدت أن التقدم لا يزال بعيدًا عن المطلوب. القضية الفلسطينية: حضور رمزي وسط مطالبات بطرد إسرائيل من المؤتمر ظلت القضية الفلسطينية في مواجهة الإبادة التي استمرت لعامين حاضرة في المؤتمر؛ حيث نظم النشطاء وقفات لتذكير الوفود الرسمية وإدارة المؤتمر ومنظمات الأمم المتحدة المشاركة في المؤتمر ودعوتها لطرد إسرائيل من قمة المناخ، وعرض تقارير تفصيلية عن الدعم الطاقي الذي تلقته إسرائيل من دول عديدة طيلة عامين من الإبادة في غزة، وأكدوا أن العدالة المناخية لا تنفصل عن العدالة السياسية والحقوق الإنسانية. للمزيد عن قمم المناخ السابقة: ماذا حدث في أسبوعي قمة المناخ Cop 29؟ خيارات صعبة ووعود هشة: السياسة والمناخ ومماطلة الدول الكبرى في قلب مخرجات Cop 29 أفق أم سراب؟ نظرة على مؤتمر قمة المناخ Cop 28 مؤتمر مدريد للمناخ: العالم يفشل في الحد من مخاطر تغير المناخ

أين نحتمي من الشمس والمطر؟ التظليل في شوارع الإسكندرية

يُقصد بالتظليل أي غطاء يمنع وصول أشعة الشمس المباشرة إلى الأرض أو إلى واجهات المباني، وهو من أهم وسائل التبريد الطبيعية في المدن؛ إذ يساعد على تقليل درجات الحرارة ويحد من ظاهرة الجزر الحرارية التي تزيد من الشعور بالإجهاد الحراري

ورقة حقائق| الإسكندرية بين الانهيار العمراني والضغط البيئي

هل تعلم أن الإسكندرية شهدت خلال أربع سنوات فقط أكثر من 350 حالة انهيار جزئي أو كلي للعقارات؟

هذه ليست مجرد أرقام، بل قصص حقيقية لمساكن أرهقها الزمن وتجاهلها البشر، فسقطت قطعة تلو الأخرى. الإسكندرية مدينة ذات نسيج معماري متنوع؛ تجمع بين مبانٍ تاريخية قديمة تحمل تراثًا عمرانيًا عريقًا، وأبراج حديثة ارتفعت مع موجات التوسع العمراني المخطط وغير المخطط للمدينة. لكن هذا التنوع تحول اليوم إلى نقطة ضعف؛ فالمباني القديمة تعاني من غياب الصيانة الدورية وضعف إمكانيات سكانها، خاصةً في ظل نظام الإيجارات القديمة. بينما أظهرت المباني الحديثة مشكلاتٍ أخرى مثل انتشار مخالفات البناء، وإضافة طوابق دون دراسة هندسية، أو استخدام مواد غير مطابقة للمواصفات. وتضاعفت خطورة الوضع مع العوامل البيئية والمناخية؛ مثل ارتفاع منسوب المياه الجوفية، والهبوط الأرضي، وتآكل الشواطئ بفعل التغيرات المناخية. كل هذه الظروف صنعت حالة هشاشة مركبة، تجعل أي ضغط إضافي، مثل موجة أمطار غزيرة أو نوة شتوية قوية، سببًا مباشرًا لانهيار مبنى كامل أو أجزاء منه، سواء كان قديمًا أو حديثًا.

اشترك في قائمتنا الأخبارية