الترام وذاكرة المدينة .. ماذا تخسر الإسكندرية؟

إحباط جماعي الترام ليس مجرد وسيلة نقل. هذه جملة سهلة، وربما مستهلَكة، فوسائل النقل الأخرى أيضًا ليست مجرد وسائل نقل، أو هكذا يُفترض. ومع ذلك لا يثير توقف بعضها هذا القدر من القلق الجماعي والحسرة الممتدة بين قطاعات واسعة من السكندريين إزاء توقف ترام الرمل تمهيدًا للمشروع الجديد، والسرعة الكبيرة في هدم المحطات وتفكيك الخط. وهي حالة لا تقتصر على مستخدميه المباشرين، بل تشمل أيضًا من ارتبطوا به رمزيًا ووجدانيًا. تجلى ذلك في الحضور المتكرر على محطات الترام- قبل هدمها- رغم توقف المرفق، وفي الكثافة اللافتة للتفاعلات ذات الطابع الحزين أو الرافض على الفضاءات الرقمية، ولا سيما على موقع فيسبوك؛ حيث تحولت المنشورات على الحسابات الرسمية حول مشروع “تطوير ترام الرمل” إلى مساحة للتعبير عن شعور بالفقد يتجاوز بوضوح البعد الوظيفي لوسيلة النقل. يشير هذا النمط من التفاعل إلى أن الترام لم يكن بنية وظيفية للحركة فقط، بل مكوِّنًا من مكونات الذاكرة الحضرية والهوية المكانية للإسكندرية، وأن المساس به يُستقبل بوصفه تهديدًا لعنصر مستقر في الخبرة اليومية. ما وراء الجدل التقني وإذا كان الجدل الدائر حول المشروع قد انصرف في جانب منه إلى مخاوف عملية ومباشرة، فإن المسألة في جوهرها أعمق من ذلك. فالمشكلة لا تقتصر على الأزمات المتوقَّعة، ومنها تزامن المشروع مع مشروع مترو الإسكندرية بديل قطار أبي قير[1]، وما يصاحبه من مخاوف بتكدس حتمي في شوارع المدينة المزدحمة بالفعل. كما لا تقتصر على التفاصيل المتعلقة بعملية فك وإزالة وبيع المرفق نفسه، من عربات ومعدات ومحولات وغرف تغذية الخط والقضبان والشبكة الكهربية والبنية بأكملها، والتي قيل إن مناقصتها رست على شركات محلية بمبلغ اعتبره كثيرون شديد الزهد بالنسبة لمرفق كان يعمل يوميًا دون انقطاع أو أعطال تُذكر لأكثر من قرنٍ من الزمن، مما يجعله في صميم التراث حتى وإن لم يُدرَج في لائحة التراث، في ظل خلوٍ ملحوظ للمواقع الصحفية الحكومية وغير الحكومية من أخبار المناقصة وتفاصيلها. أهداف التطوير المعلَنة على موقعها الإلكتروني، ذكرت الهيئة القومية للأنفاق أربعة أهداف أساسية وراء المشروع، من بينها “تحقيق عائد اقتصادي نتيجة توفير استهلاك الوقود وخفض معدلات التلوث البيئي وخفض الاختناقات المرورية بالمحاور والشوارع الرئيسية وجذب نسبة من الركاب لاستخدام هذه الوسيلة بدلاً من استخدام السيارات الخاصة”، وكذلك “المحافظة على البيئة الطبيعية والاجتماعية وصحة المواطنين نتيجة تقليل التلوث البيئي والضوضاء باستخدام الطاقة الكهربائية النظيفة”[3]. مفارقة الطاقة النظيفة: الترام كهربائي منذ أكثر من قرن غير أن هذه الأهداف- رغم وجاهتها من حيث المبدأ- تثير بدورها بعض الأسئلة عند مقارنتها بطبيعة المرفق الذي كان قائمًا بالفعل والذي هُدمت محطاته وفُككت بنيته. فالترام كان يعمل بالكهرباء منذ عام 1904، عندما قررت الشركة المشغلة له آنذاك (شركة سكك حديد الإسكندرية والرمل) استبدال القاطرات البخارية بقاطرات كهربائية[4]، وذلك في مرحلة كانت الخدمة فيها مقتصرة على استخدام الأسرة الخديوية، قبل إتاحتها جماهيريًا عام 1909[5]. إذًا، الترام في الأصل وسيلة نقل منخفضة الانبعاثات مقارنةً بوسائل النقل المعتمدة على الوقود الأحفوري، الأمر الذي يجعل مسألة التحول إلى الطاقة الكهربائية النظيفة هدفًا متحققًا بالفعل في النظام القائم، لا هدفًا جديدًا يستدعي إعادة هيكلة جذرية للمرفق. توسعة الطرق والطلب المروري المستحث كما أن التصميم المقترح، الذي يعتمد على مسارات علوية في أجزاء من الخط بغرض فصل مسار الترام عن مسار السيارات، يطرح مفارقة أخرى تتعلق بالهدف المُعلَن المتمثل في خفض استهلاك الوقود وتقليل التلوث. فرفع مسار الترام قد يستلزم عمليًا توسعة الطريق أسفل هذه المسارات بعد إزالة الخط القديم لاستيعاب الحركة المرورية، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة سعة الطرق أمام السيارات الخاصة بدلاً عن تقليص الاعتماد عليها. وقد أظهرت تجارب حضرية عديدة أن توسيع الطرق غالبًا ما يؤدي إلى ما يُعرف بالطلب المروري المستحث (Induced Demand Traffic)، أي زيادة عدد السيارات مع كل توسعة للطريق، وهو ما يقود في النهاية إلى ارتفاع استهلاك الوقود ومعدلات التلوث بدلاً عن خفضها[6]. في حين كان من الممكن التفكير في حلول تنظيمية أقل كلفة وأقل تأثيرًا على النسيج العمراني، مثل استخدام مزلقانات إلكترونية وكاميرات مراقبة لفرض فصل المسار، إلى جانب حملات توعية وفرض غرامات صارمة على المخالفين، وهي إجراءات كان يمكن أن تزيد فعالية المرفق بشكله القائم بدلاً عن إنشاء مسار جديد قد يغير معالم المناطق التي يمر بها تغييرًا جذريًا. الترام والنسيج الاجتماعي للمدينة ولا يقتصر أثر هذا التحول على الجوانب المرورية والبيئية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى النسيج الاجتماعي للمناطق التي يمر بها الترام. فقد تشكلت على مدار عقود طويلة أنماط من الحياة اليومية حول مسار الترام ومحطاته: أسواق صغيرة، وأنشطة تجارية محلية، وحركة مشاة مرتبطة بوجود المرفق على مستوى الشارع. وأي تغيير جوهري في شكل المسار أو طبيعة المحطات سيؤدي بالضرورة إلى إعادة تشكيل هذه الأنماط، بما يحمله ذلك من آثار محتملة على الحياة الاجتماعية والاقتصادية المحلية. ومن ثمّ، فإن تقييم المشروع لا ينبغي أن يقتصر على مؤشرات الكفاءة الإنسيابية للمرفق وحده، بل ينبغي أن يأخذ في الاعتبار أيضًا أثره على البنية الحضرية والاجتماعية التي تشكلت تاريخياً حول هذا المرفق. الذاكرة الحسية للمدينة: ما لا تقيسه الأرقام إضافةً إلى كل هذه الاعتبارات، لا يمكن تجاهل أمر أعمق وأقل قابلية للقياس بالأرقام، وهو صميم الذاكرة الحسية للمدينة، تلك التي يشعر كثيرون أنها مهدَّدة في جوهرها. إنها ذاكرة رُسمت داخل الوعي الجمعي، أو بالأحرى نُقشت فيه، عبر زمن طويل من التكرار والاعتياد. لم تتكون هذه الذاكرة في لحظة واحدة، ولم تصنعها مناسبة بعينها، ولم تكن جميلة أو سعيدة بالضرورة. لقد تراكمت ببساطة من تفاصيل صغيرة، حفظها الجسد كما حفظها العقل، حتى صارت نبضًا خفيفًا للمدينة. حتى من غادر الإسكندرية سنوات طويلة ثم عاد إليها، لا يكاد إلا أن يستدعي ذلك النبض تلقائياً. وكان الترام، لوقتٍ طويل، في قلب هذا النبض. الترام كمسرح يومي للحياة السكندرية هذه الذاكرة، حين نتأملها، ليست ذاكرة واحدة يمكن سردها من البداية إلى النهاية، بل كنسيج واسع من لحظات صغيرة عاشها ملايين الأشخاص في أزمنة مختلفة، واستقرت في الوعي الجمعي دون اتفاق مسبق. فكل سكندري تقريبًا يحتفظ بنسخته الخاصة من الترام، وهي نسخة تتميز عن الآخرين وتتشابه في الوقت ذاته في عديد من تفاصيلها: رحلة قصيرة إلى المدرسة، انتظار على محطة تحت شمس الصيف أو احتماء بسقف المحطة أو المظلة من مطر الشتاء، أو حديث عابر مع شخص غريب أصبح لعدة محطات رفيق طريق مؤقت. ومع تكرار هذه اللحظات عبر السنين، تحوّل الترام من مجرد وسيلة للانتقال إلى مسرح يومي لحياة المدينة، تمر فوق قضبانه قصص صغيرة لا تُكتب عادةً، لكنها تبقى راسخة في الذاكرة لأنها تشبه حياة الناس كما هي. ومن هذه التفاصيل المتفرقة، التي تبدو عادية في ظاهرها، تشكّل ذلك الرصيد الطويل من الذكريات الذي يستدعيه السكندريون كلما ذُكر