حملة 16 يوم لمناهضة العنف ضد المرأة

يعد العنف الجنسي ضد النساء مسألة صحية عمومية، ذلك لما ترتبه حوادث العنف الجنسي من أضرار نفسية وبدنية وجنسية على النساء وربما تصل تلك الاعتداءات حد وفاتهن. علاوة على ذلك، يسفر العنف الجنسي عن تكلفة اقتصادية كبيرة، فبحسب الأمم المتحدة يعتبر العنف الجنسي من أكثر المسببات للتكلفة الاقتصادية على القطاع الصحي. كما يسبب أزمات مجتمعية شديدة الخطورة، مثل زيادة نسب الطلاق، والولادات المبتسرة، ووفيات الأطفال، وعدم تسجيل الأطفال الناتجين عن زواج القاصرات، أو الاغتصاب، بل وتهديد لأمان أسر ضحايا العنف الجنسي.
تعرّف منظمة الصحة العالمية العنف الجنسي بأنه أي علاقة جنسية، أو محاولة للحصول على علاقة جنسية، أو أيّة تعليقات أو تمهيدات جنسية، أو أيّة أعمال ترمي إلى المتاجرة بجنس الشخص أو أعمال موجّهة ضدّ جنسه باستخدام الإكراه يقترفها شخص آخر مهما كانت العلاقة القائمة بينهما وفي أيّ مكان بما في ذلك المنزل والعمل والمساحات العامة، ويشمل الإكراه الدرجات المختلفة من استخدام القوة. فضلًا عن القوة البدنية، يمكن للإكراه أن يأخذ صورة التهديد النفسي، الابتزاز، أو تهديدات أخرى مثل التهديد بالإيذاء البدني، أو الفصل من وظيفة، أو عدم الحصول على الوظيفة المبتغاة. يمكن وقوع العنف الجنسي عندما يكون المعتدى عليها/عليه غير قادرةً/قادرًا على إعطاء موافقتها/موافقته، على سبيل المثال أن تكون/يكون في حال سُكر، تخدير، نوم أو غير قادرةً/قادرًا عقليًا على استيعاب وتقدير الموقف. ويشمل العنف الجنسي الاغتصاب، الذي يُعرّف بأنّه إدخال العضو الذكري، أو أي جزء من الجسد أو أداة خارجية أخرى، في الفرج أو الشرج بالإجبار أو الإكراه.
يكشف التعريف السابق عن عدة حالات قد لا يتراءى للبعض اعتبارها عنفًا جنسيًا ضد النساء سواء في الفعل ذاته مثل التعليقات والتمهيدات الجنسية، أو إنكار وصفه عنفًا بسبب قرابة القائمين للناجية مثل العنف الزوجي أو الاغتصاب الزوجي، وأيضًا من حيث درجات وأنواع الإكراه المختلفة من تهديد وإيذاء بدني ونفسي أو الاستغلال الوظيفي وأخيرًا غياب الحالة العقلية أو الإدراكية للناجية أثناء الاعتداء.
إن حادثة العنف الجنسي لا تنقضي بمجرد انتهاءها، وإنما تترك توابع على الناجية في حياتها مستقبلًا. فما تتركه الحادثة من آثار سلبية نفسية وجسدية على الناجية تمتد لتؤثر على نمط تصرفاتها وقدرتها على اتخاذ القرارات الخاصة بها. فذكرت منظمة الصحة العالية أنه عند تعرض المرأة لأول تجربة جنسية لها بالإكراه في سن مبكرة، في أكثر الاحتمالات، يجعلها أكثر عرضة للاعتداءات الجنسية على مدار حياتها، ومن المرجح أن تفقد الفتاة قدرتها على رفض أي علاقة جنسية مستقبلًا، أو أن تصبح في علاقات عاطفية أو زوجية غير صحية، تكون فيها غير قادرة عن التعبير عن مشاعرها بالرفض أو القبول، أو أن يصل الأمر لرفضها التواصل الجنسي تمامًا أو الإحساس بعدم الاستمتاع بأي علاقة جنسية.
وتمثل إحصائيات العنف الجنسي الجبل الجليدي الذي يخفي أعدادًا مضاعفة للمعلن عنها، وذلك لعدة عوامل أهمها عدم إبلاغ النساء عن تعرضهن للعنف، يرجع ذلك لثقافة لوم الضحية السائدة مجتمعيًا، وعدم قدرة المؤسسات التعامل مع قضايا العنف الجنسي، فضلًا عن النبذ والاضطهاد المجتمعي الذي تتعرض له الناجية وذويها حال إفصاحها. فطبقًا لبحث التكلفة الاقتصادية للعنف القائم على النوع الاجتماعي الذي أجراه صندوق الأمم المتحدة للسكان بالتعاون مع الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عام 2015، أن 90% من النساء المصريات تعرض للختان و12.3% من النساء اللواتي سبق لهن الزواج تعرضن لعنف جنسي زوجي.
وبينما يتم تبني خطاب التمكين الاقتصادي للمرأة، تفتقر النساء لوجود بيئة آمنة لها داخل أماكن العمل، حيث يواجهن التحرش والاستغلال الجنسي. ويصبح أمامهن إحدى الخيارين إما ترك العمل أو الاضطرار للاستمرار فيه والسكوت عن التحرش، لعدم وجود آليات للشكوى، أو عقوبات رادعة للمعتدين، خصيصًا للعاملات في القطاع الخاص.
تتعدد أشكال العنف الجنسي وتتشابك مع بعضها ومع صور أخرى للعنف ضد النساء، إلا أنها تتفاوت باختلاف بعض العوامل والظروف للنساء. حيث تشكل الحالة المادية والتقسيم الحضري والحالة الاجتماعية والسن والدرجة العلمية للنساء عوامل جوهرية تجعلهم أكثر عرضة للعنف الجنسي. ولكن تلك العوامل ليست منفصلة أو قائمة بذاتها، حيث تتقاطع لتجعل المرأة في بعض الظروف أكثر عرضة للعنف الجنسي من ذواتها في عوامل وظروف مختلفة.
مما يعكس أن تجربة كل امرأة مع العنف الجنسي هي تجربة شديدة الذاتية، ولا يمكن تعميم حالات العنف على جميع النساء في المجتمع. ذلك يدفعنا لحث المؤسسات المعنية والمجتمع للالتفات لخطورة حوادث العنف الجنسي، وكثرة انتشارها مجتمعيًا، والتعامل معها بجدية، للحد من عواقبها على الضحايا والناجيات من حوادث العنف الجنسي، ولتفادي الأضرار الضخمة الواقعة اقتصاديًا واجتماعيًا.
ومن أجل ذلك، سنقوم خلال الستة عشر يومًا لمناهضة العنف ضد المرأة استعراض أشكال مختلفة للعنف الجنسي، من حيث انتشارها، وتعريفها، وأشخاص مرتكبيها، ومن هن النساء الأكثر عرضة لتلك الجرائم.

شارك هذا النص

اشترك في قائمتنا الأخبارية