لماذا لا تنجح مؤتمرات المناخ؟!

بعد ثلاثة عقود من انعقاد مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ COP، وبعد انتهاء النسخة الثلاثين للمؤتمر في بيليم، البرازيل، والتي انتهت كما كان متوقعًا دون التوصل لنص يُقرّ بخروج تدريجي من الوقود الأحفوري والاكتفاء بالتوصية على التحوّل “الطوعي” عن الاعتماد عليه، والتأكيد على إجراءات خفض الانبعاثات، وتشجيع الدول المتضررة من تبعات تغير المناخ على تعزيز إجراءات التكيف، وحث الدول الكبرى على زيادة التمويل المناخي لمساعدة الدول الأكثر تضررًا على التكيف، أصبح من الضروري تقييم جدوى مؤتمرات المناخ نفسها: هل لا تزال قادرة على دفع العالم نحو التحول المطلوب، أم أنها تحوّلت إلى عملية دبلوماسية تُنتج نصوصًا توافقية لا تمس جوهر المشكلة، بينما تتفاقم الأزمة المناخية بمعدلات تفوق قدرة هذا النظام الدولي البطيء على مواكبتها؟ المُلفت أن المسودة النهائية لمؤتمر الأطراف COP 30 تضمنت، وللمرة الأولى في تاريخ نصوص مؤتمرات الأطراف، إقرارًا صريحًا بأن العالم يتجه نحو ارتفاع سيتخطى 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2100 وربما أكثر، وهو ما أشارت إليه عدة تحليلات مستقلة لنتائجCOP 30 .(Carbon Brief, 2025; NewsClick, 2025; UK Parliament Research Briefing, 2025) مما يعني أن كافة الجهود التي لا تُبذَل أصلاً للإبقاء على أهداف وتوصيات مؤتمر باريس 2015 قبل عشر سنوات (UNFCCC, 2015) قد تجاوزتها الأزمة المتمددة وتخطّاها الزمن ولم تعد كافية لمنع الآثار الفادحة المستقبلية. لا تزال دول العالم تعتمد على الأدوات التفاوضوية البطيئة في مواجهة أزمة صارت محسوسة في كل تفاصيل حياة البشر حاليًا؛ حيث يتغير المناخ بسرعة أكبر بكثير من قدرة الأنظمة السياسية والاقتصادية على التكيّف. ففي الوقت الذي يزحف فيه الجفاف على أجزاء واسعة من الكوكب وتتعرض أجزاء واسعة أخرى للسيول والفيضانات وتتعرض الدول الجُزُرية لخطر الغرق بارتفاع مياه المحيط، تبقى غرف التفاوض منشغلة بتدوير الصيغ نفسها وصناعة نصوص محايدة لا تزعج مراكز القوة الاقتصادية أو مصالح الصناعات الأحفورية. وإلى جانب هذا النفوذ، تبقى قرارات مؤتمر الأطراف غير مُلزِمة بطبيعتها ولا تملك آليات إنفاذ أو محاسبة فعلية. هذا التناقض بين سرعة الانهيار المناخي وبطء القرار الدولي من جهة وحجم الكارثة المتسارع ولغة التفاوض الجامدة من جهة أخرى، هو المدخل لفهم فشل منظومة مؤتمر الأطراف (COP) في وضع العالم على مسار حقيقي للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. بِنية النظام الدولي… قوة الشركات والدول الكبرى فوق أي اعتبار يكمن أساس المشكلة في كون القرار بشأن الأزمة المناخية مُقيّد ببنية النظام السياسي والاقتصادي العالمي، بما يسمح للأطراف المسؤولة عن الانبعاثات الحرارية بامتلاك ما يشبه حق الفيتو غير المُعلن داخل مفاوضات المناخ. تُتخذ القرارات بالإجماع، وتُفصّل النصوص حرفًا بحرف لإرضاء جميع الأطراف، وهذا يعني فعليًا إرضاء الأطراف الأكثر قوة ونفوذًا؛ وهي الدول الكبرى وشركات النفط والغاز والمؤسسات المالية العابرة للحدود. ولا يقف الخلل عند حدود عدم إلزام قرارات COP، بل يمتد أيضًا إلى طبيعة آليات المتابعة والشفافية في اتفاق باريس نفسه. فإطار الشفافية المعزّز (ETF) صُمّم أساسًا كأداة للإبلاغ وتبادل المعلومات؛ حيث تقدم الدول جردًا لانبعاثاتها وتقدمها في تنفيذ مساهماتها الوطنية، ثم تُخضع هذه البيانات لمراجعة تقنية وحوار تيسيري بين الأطراف. وبالمثل، تُعرّف لجنة تنفيذ اتفاق باريس (PAICC) رسميًا على أنها لجنة تيسيرية، غير عقابية، وغير خصامية، (UNFCCC–ETF Reports, 2023; UNFCCC–GGA Reports, 2024) هدفها دعم الأطراف في التنفيذ وليس مساءلتها أو فرض الامتثال عليها. ونتيجة لذلك، تبقى هذه الآليات أقرب إلى حوارات طوعية منها إلى أدوات متابعة فعلية، فلا تتحول الشفافية إلى محاسبة، ولا تملك القدرة على دفع الدول نحو ما تفرضه العدالة المناخية. هذه المنظومة ليست نتاج خلل ظرفي أو مؤقت، بل تُشكِّل أغلب دعائم النظام الاقتصادي العالمي الذي نشأ في القرن العشرين ولا يزال يحكم القرن الحادي والعشرين، لذلك تتمكن لوبيات الطاقة من تطويع المؤسسات السياسية والأممية ليخرج كل مؤتمر بنسخة جديدة من “لغة بلا التزامات” تحمي استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري. بل ويتواجد مندوبو جماعات ضغط الوقود الأحفوري بعدد أكبر من وفود الدول ذاتها؛ إذ سجّل تحالفKick Big Polluters Out (اطردوا المُلوِثين الكبار) وجود أكثر من 1600 ممثل عن شركات الوقود الأحفوري داخل المؤتمر (Al-Jazeera, 2025). وفي دوراتٍ سابقة، شهدت القمم المناخية توقيع صفقات نفط وغاز على هامش الاجتماعات نفسها التي يُفترض أنها مخصّصة للتفاوض حول التخلص من الوقود الأحفوري (The Guardian, 2023). هيمنة لغة التحايل طورت الدول المُنتِجة للنفط وجماعات ضغط الوقود الأحفوري والدول الكبرى مهارة في التحايل اللغوي داخل المفاوضات، فعبارة “التخلص من الوقود الأحفوري” لا تجد طريقها بسهولة إلى النصوص النهائية، وتضغط بنجاح لاستبدالها بمفاهيم أخرى تبدو تقنية أو محايدة مثل “خفض الانبعاثات” و”وقود منخفض الانبعاثات” و”الخيارات المتنوعة للطاقة” و”الانتقال المرن”. تخلق هذه المفاهيم إيحاءً بالتحرك، لكنها لا تجبر الدول على أي التزام فعلي. فالاستخدام المتزايد لمصطلح “خفض الانبعاثات” والذي حل محل “التخلص من الوقود الأحفوري” يُبقي الباب مفتوحًا أمام استمرار استخراج النفط والغاز، بل والتوسع فيهما أيضًا بشرط تحسين تقنيات الحرق أو احتجاز الكربون. لكن هذه التقنيات، كما تشير تقييمات علمية متكررة، غير قادرة على خفض الانبعاثات بالسرعة والحجم المطلوبين، وتُستخدم غالبًا كأداة لإرجاء التحول الطاقي بدلًا عن تسريعه. لماذا تتردد دول الجنوب العالمي في المطالبة بوقف الاعتماد على الوقود الأحفوري؟ رغم أن دول الجنوب تتحمل العبء الأقسى من آثار التغيرات المناخية- من جفاف ممتد لأعاصير وفيضانات وحتى تهديد أمنها الغذائي- إلا أنها تظل حذِرة ومترددة في المطالبة بشكل حاسم بالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. هذا التردد ليس تناقضًا بين كونها الأكثر معاناة وبين حتمية أن تكون في مقدمة المطالبين بإنهاء الاعتماد على الوقود الأحفوري بقدر ما هو نتاج شروط بنيوية غير عادلة لمنظومة عالمية خلقت واقعًا اقتصاديًا يجعل من التحول لإنهاء الاعتماد على مصادر الطاقة القديمة قفزة في المجهول اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا. ويمكن تلخيص هذه الأسباب في ثلاث نقاط رئيسية: هذا الاعتماد البنيوي يجعل التخلي عن الوقود الأحفوري محفوفًا بمخاطر اقتصادية واجتماعية لا يمكن تحملها وحدها دون تمويل خارجي كافٍ لمساعدتها على بناء بنية تحتية للطاقة المتجددة ودون حماية اجتماعية للمجتمعات الأكثر هشاشة وحماية من الكوارث المناخية المتسارعة. آليات التمويل.. فشل أم إفشال؟ أحد أكثر مظاهر الخلل تكرارًا هو الاعتماد على “صناديق تمويل المناخ” التي تنشأ كل حين وآخر دون أن تتغير وظيفتها الحقيقية الافتراضية. يُعلن كل مؤتمر عن صندوق جديد للـ”خسائر والأضرار”، أو “التكيف”، لكن هذه الصناديق غالبًا ما تبقى بلا موارد حقيقية، وبلا شروط واضحة للصرف، وتوضع تحت إشراف نفس المؤسسات المالية الدولية التي تُثقل كاهل دول الجنوب بالشروط القاسية عند الإقراض، وغالباً ما تُصرف هذه الأموال على هيئة قروض أو منح قصيرة الأجل. حتى صندوق الخسائر والأضرار— الذي قُدّم بوصفه إنجازًا تاريخيًا— فإن نطاقه يتركز أساسًا على الكوارث المفاجئة مثل الفيضانات والأعاصير، بينما تبقى الخسائر البطيئة وطويلة الأمد، مثل تآكل

الأسبوع الأول من قمة المناخ COP 30: رسائل سياسية قوية وقيادة برازيلية نحو التخلي عن الوقود الأحفوري

افتُتحت قمة المناخ في بيليم، البرازيل، برسائل حادة من القادة، كان أبرزها من الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا الذي دعا إلى أن تكون القمة “قمة الحقيقة”، مقترحًا خارطة طريق عالمية للتخلي عن الوقود الأحفوري ووقف إزالة الغابات. دعمت هذه الدعوة 63 دولة حتى نهاية الأسبوع الأول، مما يجعلها خطوة تاريخية محتملة، بشرط إدراج العدالة والتمويل ومبدأ المسؤوليات المشتركة والمتباينة (CBDR). الأمين العام للأمم المتحدة وصف تجاوز 1.5°م بأنه “فشل أخلاقي”، فيما انتقد الكثيرون غياب الولايات المتحدة الأمريكية في عهد ترامب. نالت البرازيل الثناء لدورها القيادي، لكنها تعرضت لانتقادات لمنحها ترخيصًا للتنقيب عن النفط في الأمازون، ما يتعارض مع خطاباتها بشأن حماية الغابات. التمويل المناخي والخسائر والأضرار: وعود متواضعة وسط فجوة هائلة في التنفيذ تم إطلاق صندوق الخسائر والأضرار رسميًا بتعهدات أولية لا تتجاوز 788 مليون دولار، وهو مبلغ اعتبرته الدول النامية غير كافٍ. ما تزال وعود الدول الكبرى، مثل تخصيص 1.3 تريليون دولار سنويًا بحلول 2030، دون تنفيذ واضح.رغم تصاعد الوعي، لم يتم التوصل إلى التزامات ملموسة بشأن من سيموّل آلية الانتقال العادل، أو كيف سيتم ذلك، وما هي الأدوات الرقابية التي ستضمن عدالته. رئيس المؤتمر أجّل النقاشات الأهم حول تمويل التحول الطاقي وسوق الكربون، ما أجّل المواجهة السياسية الحقيقية حول جذور الأزمة. كما برزت اقتراحات لفرض ضرائب على أرباح شركات النفط أو على تذاكر السفر لدرجة رجال الأعمال لتمويل المناخ. خفض الانبعاثات وفجوة الطموح: مطالبات برفع سقف التعهدات وإدراج خارطة طريق للتحول تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن التعهدات الحالية تضع العالم على مسار يتجاوز 2.5°م من الاحترار. رغم انخفاض طفيف في منحنى الانبعاثات، يظل التقدم غير كافٍ. طالبت دول عديدة بإدراج بند خفض الانبعاثات ضمن جدول أعمال القمة، لكن ذلك واجه اعتراضات. عادت النقاشات أيضًا حول سوق الكربون؛ حيث يعد وسيلة للتحايل البيئي دون معالجة جذور الانبعاثات. حقوق الشعوب الأصلية والاحتجاجات: اقتحامات ومسيرات ضخمة تطالب بالعدالة المناخية شهد الأسبوع الأول احتجاجات غير مسبوقة من السكان الأصليين، خاصةً قبيلة الموندوروكو التي قطعت المدخل الرئيسي للمنطقة الزرقاء للمؤتمر، مطالبة بوقف الأنشطة الاستخراجية حول روافد نهر الأمازون. تزامن ذلك مع مسيرات واسعة تجاوزت 50 ألف شخص، طالبت بحماية حقوق أراضي الشعوب الأصلية ووقف تغول الشركات. كما طُرحت بقوة مسألة الهجرة المناخية، وعرض ممثلون من دولتي هايتي والبرازيل حالات نزوح قسري بسبب الغرق والظواهر المناخية المتطرفة.  الوقود الأحفوري والانتقال العادل: خارطة طريق طموحة وأسئلة مؤجلة شهد الأسبوع الأول من COP 30 اعترافًا رسميًا لأول مرة بـ”التحول العادل نحو الطاقة النظيفة”، مع إدراج “آلية العمل الثنائي” في مسودة القرارات. كما دعمت مجموعة الـ77 والصين إنشاء آلية دولية تضمن الانتقال العادل، بينما أيّدت البرازيل و63 دولة خارطة طريق للتخلي عن الوقود الأحفوري بشرط إدراج العدالة والتمويل ومبدأ المسؤوليات المشتركة. لكن هذا الزخم اصطدم بتأجيل لمناقشات تمويل الانتقال وأسواق الكربون، باعتبارها وسيلة للتضليل. في المقابل، واصلت بعض الدول الترويج لحلول تقنية قد تعتبر التفافًا على هدف إنهاء الاعتماد على الوقود الأحفوري. وبين الطموح المُعلن والتأجيل الفعلي، تبقى الأسئلة الكبرى معلّقة دون إجابة:  مواقف المنظمات غير الحكومية: دعوات للتحرك الحاسم وانتقادات لهيمنة الملوثين أصدرت المنظمات غير الحكومية تقارير تنتقد بطء التقدم، وتطالب بخطة واضحة لخفض الانبعاثات ووقف إزالة الغابات. كما نددوا بحضور أكثر من 1,600 ممثل لشركات الوقود الأحفوري في القمة، وحذروا من نفوذ جماعات ضغط الصناعات الاستخراجية في عملية اتخاذ القرار. وحذرت هذه المنظمات من الالتفاف على مطالب العدالة المناخية من خلال نظم الكربون المضللة والوعود غير الممولة، وطالبت بأن “يدفع الملوثون ثمن الضرر” بدلاً عن تحميل المجتمعات الهشة التبعات. الهيئات الرسمية الدولية: الأمم المتحدة تحذر من تجاوز 1.5°م وتطلق مبادرات لمواجهة التضليل حذّر الأمين العام للأمم المتحدة من العواقب الكارثية لتجاوز هدف 1.5°م، واصفًا ذلك بـ”الإهمال القاتل”. أطلقت الأمم المتحدة “إعلان بيليم للنزاهة المعلوماتية” لمكافحة المعلومات الزائفة عن المناخ. وعرضت الأمانة التنفيذية للمناخ بيانات تظهر أول انخفاض في منحنى الانبعاثات، لكن أكدت أن التقدم لا يزال بعيدًا عن المطلوب. القضية الفلسطينية: حضور رمزي وسط مطالبات بطرد إسرائيل من المؤتمر ظلت القضية الفلسطينية في مواجهة الإبادة التي استمرت لعامين حاضرة في المؤتمر؛ حيث نظم النشطاء وقفات لتذكير الوفود الرسمية وإدارة المؤتمر ومنظمات الأمم المتحدة المشاركة في المؤتمر ودعوتها لطرد إسرائيل من قمة المناخ، وعرض تقارير تفصيلية عن الدعم الطاقي الذي تلقته إسرائيل من دول عديدة طيلة عامين من الإبادة في غزة، وأكدوا أن العدالة المناخية لا تنفصل عن العدالة السياسية والحقوق الإنسانية. للمزيد عن قمم المناخ السابقة: ماذا حدث في أسبوعي قمة المناخ Cop 29؟ خيارات صعبة ووعود هشة: السياسة والمناخ ومماطلة الدول الكبرى في قلب مخرجات Cop 29 أفق أم سراب؟ نظرة على مؤتمر قمة المناخ Cop 28 مؤتمر مدريد للمناخ: العالم يفشل في الحد من مخاطر تغير المناخ

أين نحتمي من الشمس والمطر؟ التظليل في شوارع الإسكندرية

يُقصد بالتظليل أي غطاء يمنع وصول أشعة الشمس المباشرة إلى الأرض أو إلى واجهات المباني، وهو من أهم وسائل التبريد الطبيعية في المدن؛ إذ يساعد على تقليل درجات الحرارة ويحد من ظاهرة الجزر الحرارية التي تزيد من الشعور بالإجهاد الحراري

ورقة حقائق| الإسكندرية بين الانهيار العمراني والضغط البيئي

هل تعلم أن الإسكندرية شهدت خلال أربع سنوات فقط أكثر من 350 حالة انهيار جزئي أو كلي للعقارات؟

هذه ليست مجرد أرقام، بل قصص حقيقية لمساكن أرهقها الزمن وتجاهلها البشر، فسقطت قطعة تلو الأخرى. الإسكندرية مدينة ذات نسيج معماري متنوع؛ تجمع بين مبانٍ تاريخية قديمة تحمل تراثًا عمرانيًا عريقًا، وأبراج حديثة ارتفعت مع موجات التوسع العمراني المخطط وغير المخطط للمدينة. لكن هذا التنوع تحول اليوم إلى نقطة ضعف؛ فالمباني القديمة تعاني من غياب الصيانة الدورية وضعف إمكانيات سكانها، خاصةً في ظل نظام الإيجارات القديمة. بينما أظهرت المباني الحديثة مشكلاتٍ أخرى مثل انتشار مخالفات البناء، وإضافة طوابق دون دراسة هندسية، أو استخدام مواد غير مطابقة للمواصفات. وتضاعفت خطورة الوضع مع العوامل البيئية والمناخية؛ مثل ارتفاع منسوب المياه الجوفية، والهبوط الأرضي، وتآكل الشواطئ بفعل التغيرات المناخية. كل هذه الظروف صنعت حالة هشاشة مركبة، تجعل أي ضغط إضافي، مثل موجة أمطار غزيرة أو نوة شتوية قوية، سببًا مباشرًا لانهيار مبنى كامل أو أجزاء منه، سواء كان قديمًا أو حديثًا.

تقرير أصوات السكان: مشكلات وحلول

الإسكندرية، رغم مكانتها التاريخية والجغرافية، تعيش اليوم تحت ضغط أزمات حضرية متفاقمة تهدد حاضرها ومستقبلها؛ فمن توسع عمراني متسارع على رقعة أفقية شبه ثابتة، ونموّ رأسي غير منضبط، ووجود مناطق سكنية تحتاج لتطبيق معايير السكن الملائم من حيث أمان الحيازة والموقع وتوافر الخدمات للمرافق وسهولة الوصول، إلى ردم المسطحات المائية وضغط هائل على البنية التحتية وانخفاض كبير في معدلات الإتاحة للمساحات العامة، فضلًًا عن خطر الغرق بفعل تغير المناخ. من هنا، وعلى مدار عام كامل، جاء مشروع “الإسكندرية تحت المجهر” ليقدم حزمة مترابطة من المخرجات: أوراق بحثية، وتقارير مفصلة لكل حي، وورقة سياسات شاملة، إلى جانب مجموعات تركيز المختبر الحضري وورشة تصميم حضري وعمراني، ركّز المشروع فيهم على أربعة مستويات رئيسية: المستوى الأول: البيانات والتقارير الإحصائية والخرائطية المستوى الثاني: السياسات والقوانين والتوصيات المستوى الثالث: إدماج مجموعات من السكان في المراجعة والنقاش المستوى الرابع: إشراك شباب المتخصصين/ات من المواطنين/ات في تصميم حلول على مستوى الشارع والمشكلات اليومية. ويأتي هذا التقرير بوصفه الخاتمة التطبيقية للمشروع، حيث ينقل أصوات السكان وخبراتهم وشهاداتهم المباشرة، ويضعها في صلب فهم المشكلات وتحويلها إلى «أحزمة علاج» قابلة للتنفيذ، لتصبح أصواتهم هي المفتاح في كشف «طوارئ حضرية صامتة» تظهر من خلال القصور التشغيلي، وفجوة بين الاعتمادية المكانية وجودة الخدمات في التعليم والصحة والنقل والمواصلات والسكن والمساحات العامة شملت النفايات وإدارة المخلفات والتظليل والتشجير والإشغالات والضوضاء، وأبعاد اجتماعية وجندرية للمشكلات. في المقابل، تُظهر الحلول التي قدمها الشباب والشابات من خلال ورشة الحلول العمرانية المفصلة في هذا التقرير، أن الشكاوى المتكررة يمكن أن تتحول إلى تدخلات صغيرة منخفضة التكلفة قابلة للقياس والتوسيع، ليصبح صوت السكان موردًا عمليًا وملموسًا، وأن الطريق الأقصر لتحسين الحياة اليومية في الإسكندرية يبدأ بالاستماع، والتجريب المحلي، ثم البناء على النتائج وتعميمها وفق مؤشرات واضحة، مع ضمان أن يبقى صوت السكان مدمجًا في كل رؤية ومخطط مستقبلي لضمان حياة لائقة للجميع.

ورقة سياسات حضرية| نحو عدالة مكانية وبيئية

هل حان وقت وضع العدالة المكانية في قلب السياسات العمرانية؟ على مدار عام كامل، غصنا في تفاصيل الإسكندرية عبر مشروع بحثي بعنوان “الإسكندرية تحت المجهر“، حاولنا فيه أن نرى المدينة بعيون سكانها. أعددنا تقارير شاملة عن أحيائها التسعة، بالإضافة إلى مركز ومدينة برج العرب، وجمعنا بين البيانات الرسمية والتفاعل المباشر مع السكان من خلال ورش عمل وأسئلة تفاعلية على المنصات الرقمية. كان الهدف واضحًا: فهم الواقع العمراني والاجتماعي والاقتصادي والبيئي كما يعيشه السكان، وتحويل مشكلاتهم الملموسة إلى توصيات دقيقة. كشفت نتائج المشروع أن المخططات الاستراتيجية الكبرى، رغم وعودها بالتطوير، ركّزت على التوسع الخارجي والجذب الاستثماري، بينما بقي النسيج الداخلي للمدينة يعاني من الإهمال وغياب العدالة المكانية. فبعض الأحياء مكتظة وتعاني ضغطًا خانقًا على الخدمات، في حين تعاني أحياء أخرى عزلة وضعفًا في المرافق. نسبة كبيرة من مساكن المدينة غير رسمية، يعاني كثير منها من التدهور ونقص المرافق. كما يعتمد النقل في بعض الأحياء على وسائل غير رسمية مع اختناقات مرورية مزمنة وضعف في ربط الأطراف بالمركز. الخدمات الصحية تتركز في قلب المدينة، بينما الأطراف تعاني نقصًا. أما البيئة، فتشهد تراجعًا في الغطاء الأخضر، وتقلص في بحيرة مريوط التي تعد أهم المصدات الطبيعية، وتعاني المدينة من مخاطر متزايدة من الغمر وتزايد في الجزر الحرارية، إلى جانب تسييج وخصخصة المساحات العامة وتحويلها إلى مشروعات مغلقة بعد أن كانت فضاءات مشتركة. هذه التفاوتات أفرزت مشكلات متكررة: ازدحام غير متوازن، ومساكن غير رسمية، وفقر في الخدمات التعليمية والصحية والنقل في الأطراف، وفجوة اجتماعية واضحة، وتدهور بيئي متسارع، ومخاطر مناخية غير مُدارة. من هنا جاء الهدف الأساسي للورقة: الانتقال من منطق التوسع والواجهة إلى منطق إصلاح الداخل وتحسين الحياة اليومية للسكان. ولتحقيق ذلك، طُرحت توصيات عملية تشمل: اعتماد معايير الأمم المتحدة والدستور المصري في تصميم الإسكان الاجتماعي، ووضع مؤشرات لقياس العدالة البيئية مثل نصيب الفرد من المساحات الخضراء وزمن الوصول للنقل والحدائق، ووقف خصخصة المساحات العامة وضمان وصول مجاني للشواطئ، وتطوير وسائل نقل مستدامة تربط الأطراف بالمراكز، وتفعيل المشاركة المجتمعية والخبرات العلمية في صياغة وتنفيذ الخطط التطويرية. بهذا، فإن مشروع “الإسكندرية تحت المجهر” لا يقتصر على تشخيص الأزمات، بل يقدم إطارًا عمليًا بديلًا يجعل العدالة المكانية مقياسًا أساسيًا لنجاح أي سياسة عمرانية مستقبلية، بحيث يُقاس النجاح بقدرة كل مواطن على العيش في مسكن لائق، والتمتع ببيئة صحية، والوصول بحرية إلى الفضاء العام، والتنقل بسهولة داخل مدينته.

وحدات المباني العادية للسكن والعمل طبقًا لنوع الحيازة: إيجار قديم

ما مصير مئات الآلاف من السكان وأصحاب الأعمال في وحدات الإيجار القديم؟! يُعد الحق في السكن من الحقوق الأساسية للإنسان، ويعني أن يتمتع كل شخص بمكان آمن ولائق يوفر له الحماية والخصوصية والخدمات الأساسية، وبسعر يمكن تحمله، مع ضمان الأمان القانوني من الإخلاء التعسفي. إلا أنه في ظل تطبيق القانون الجديد للإيجار القديم، قد يؤدي إلى ارتفاع في قيمة الإيجارات بشكل يصعب على الغالبية تحمله في ظل الاوضاع الاقتصادية الحالية. هذا الوضع يهدد 213,147 أسرة من المستأجرين[1] في محافظة الإسكندرية وحدها- بنسبة 13% من إجمالي السكان فيها- بخطر التعرض للإخلاء أو فقدان لمصدر الرزق، خاصة في الأحياء القديمة للمدينة؛ حيث تتركز أكبر نسب للإيجارات القديمة في أحياء وسط والجمرك وغرب، والذين يمثلون حوالي 18% من سكان الإسكندرية. بينما تتراجع حيازة الإيجارات القديمة في أحياء شرق المحافظة، مع شبه انعدامها في الأحياء الطرفية الغربية مثل مركز ومدينة برج العرب. تنقسم أنواع الحيازة للوحدات والمباني العادية في مصر إلى: إيجار قديم، وإيجار حديث، وتمليك، وأخرى (تشمل الإيجار المفروش، والهبة، والميزة العينية، وغيرها). تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن عدد وحدات المباني العادية للسكن بنظام الإيجار القديم في الإسكندرية حتى عام 2017 بلغت421,949 وحدة، والمباني العادية للعمل نحو 11812 وحدة[2]. في هذا الرسم البياني نستعرض نسب الحيازة السكنية في أحياء الإسكندرية، وعدد وحدات المباني العادية للسكن والعادية للعمل وفقًا لنوع الحيازة: “إيجار قديم”. [1] “الإيجار القديم في سبع إحصاءات”، مرصد العمران، نوفمبر 2024. [2] النتائج النهائية للتعداد العام للسكان والإسكان والمنشآت لعام 2017، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

نِسَب الحيازة السكنية في أحياء الإسكندرية

ما مصير مئات الآلاف من السكان وأصحاب الأعمال في وحدات الإيجار القديم؟! يُعد الحق في السكن من الحقوق الأساسية للإنسان، ويعني أن يتمتع كل شخص بمكان آمن ولائق يوفر له الحماية والخصوصية والخدمات الأساسية، وبسعر يمكن تحمله، مع ضمان الأمان القانوني من الإخلاء التعسفي. إلا أنه في ظل تطبيق القانون الجديد للإيجار القديم، قد يؤدي إلى ارتفاع في قيمة الإيجارات بشكل يصعب على الغالبية تحمله في ظل الاوضاع الاقتصادية الحالية. هذا الوضع يهدد 213,147 أسرة من المستأجرين[1] في محافظة الإسكندرية وحدها- بنسبة 13% من إجمالي السكان فيها- بخطر التعرض للإخلاء أو فقدان لمصدر الرزق، خاصة في الأحياء القديمة للمدينة؛ حيث تتركز أكبر نسب للإيجارات القديمة في أحياء وسط والجمرك وغرب، والذين يمثلون حوالي 18% من سكان الإسكندرية. بينما تتراجع حيازة الإيجارات القديمة في أحياء شرق المحافظة، مع شبه انعدامها في الأحياء الطرفية الغربية مثل مركز ومدينة برج العرب. تنقسم أنواع الحيازة للوحدات والمباني العادية في مصر إلى: إيجار قديم، وإيجار حديث، وتمليك، وأخرى (تشمل الإيجار المفروش، والهبة، والميزة العينية، وغيرها). تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن عدد وحدات المباني العادية للسكن بنظام الإيجار القديم في الإسكندرية حتى عام 2017 بلغت421,949 وحدة، والمباني العادية للعمل نحو 11812 وحدة[2]. في هذا الرسم البياني نستعرض نسب الحيازة السكنية في أحياء الإسكندرية، وعدد وحدات المباني العادية للسكن والعادية للعمل وفقًا لنوع الحيازة: “إيجار قديم”. [1] “الإيجار القديم في سبع إحصاءات”، مرصد العمران، نوفمبر 2024. [2] النتائج النهائية للتعداد العام للسكان والإسكان والمنشآت لعام 2017، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

أعداد المصابين نتيجة حوادث السيارات وفقًا لعمر المصاب/ة

في ظل تزايد حوادث الطرق للعمالة الزراعية الموسمية في الآونة الأخيرة وما نتج عنها من وفيات وإصابات، نلقي الضوء من خلال هذه الرسوم البيانية على معدلات الوفيات والإصابات الناتجة عن حوادث الطرق منذ عام 2013 وحتى عام 2024، وأكثر المحافظات تضررًا من الحوادث طبقًا للبيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لأعوامٍ مختلفة. مع العلم بأن هذه البيانات قد تكون مؤشرًا لقياس نتائج الحوادث وأثرها على المواطنين، وغير إجمالية لجميع الوفيات والإصابات خلال الأعوام المذكورة لاعتماد جهاز التعبئة العامة والإحصاء على البيانات الصادرة من وزارة الصحة المصرية فقط، دون بيانات وزارة الداخلية.

أعلى المحافظات في أعداد مصابي حوادث السيارات خلال عام 2024

في ظل تزايد حوادث الطرق للعمالة الزراعية الموسمية في الآونة الأخيرة وما نتج عنها من وفيات وإصابات، نلقي الضوء من خلال هذه الرسوم البيانية على معدلات الوفيات والإصابات الناتجة عن حوادث الطرق منذ عام 2013 وحتى عام 2024، وأكثر المحافظات تضررًا من الحوادث طبقًا للبيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لأعوامٍ مختلفة. مع العلم بأن هذه البيانات قد تكون مؤشرًا لقياس نتائج الحوادث وأثرها على المواطنين، وغير إجمالية لجميع الوفيات والإصابات خلال الأعوام المذكورة لاعتماد جهاز التعبئة العامة والإحصاء على البيانات الصادرة من وزارة الصحة المصرية فقط، دون بيانات وزارة الداخلية.

اشترك في قائمتنا الأخبارية