إسكندرية مَنْ؟!

نظم الإنسان والمدينة للأبحاث الإنسانيةوالاجتماعية، بالتعاون مع قسم التاريخ والدراسات الكلاسيكية بجامعة تورنتو، ومركز الدراسات السكندرية (CEAlex)، جلسة نقاشية تفاعلية يوم الخميس 30 أبريل 2026، بعنوان “إسكندرية من؟!”. هدفت الفعالية إلى استكشاف كيفية توثيق المدينة وفهم تمثيلاتها المكانية عبر الزمن، وذلك بحضور عدد من الباحثين/ات والممارسين/ات في مجالات التاريخ والآثار والدراسات الحضرية والبيئية. تضمنت الفاعلية جلستين، الأولى بعنوان “أين الناس؟ رسم خرائط الإسكندرية بين البر والمياه”، والثانية بعنوان “إنتاج الإسكندرية: المعرفة والسرديات وتشكيل المدينة”. طرحت الجلسة الأولى تساؤل حول “من يحكي قصة المدينة؟”، تلاه عرض بعنوان ” تمثيل النشاط البشري على خرائط غرب الدلتا ومنطقة بحيرة مريوط”، ثم استعراض ملف تطوير البحيرة بين الماضي والحاضر، واختتمت الجلسة بالحديث عن “صورة الإسكندرية والسكندريين”. بينما تناولت الجلسة الثانية محاضرة “إعادة تصور الإسكندرية”، ومشاركة حول “إنتاج المعرفة عن الإسكندرية قديمًا ومعاصرًا”، بالإضافة إلى محاضرة “ما الصورة التي تقدمها لنا خرائط المدينة؟”. واختُتمت الفعالية بنقاش مفتوح حول السؤال الجوهري: “أي إسكندرية يتم تمثيلها؟ ومن الذي يظل غير مرئي؟”
الترام وذاكرة المدينة .. ماذا تخسر الإسكندرية؟

إحباط جماعي الترام ليس مجرد وسيلة نقل. هذه جملة سهلة، وربما مستهلَكة، فوسائل النقل الأخرى أيضًا ليست مجرد وسائل نقل، أو هكذا يُفترض. ومع ذلك لا يثير توقف بعضها هذا القدر من القلق الجماعي والحسرة الممتدة بين قطاعات واسعة من السكندريين إزاء توقف ترام الرمل تمهيدًا للمشروع الجديد، والسرعة الكبيرة في هدم المحطات وتفكيك الخط. وهي حالة لا تقتصر على مستخدميه المباشرين، بل تشمل أيضًا من ارتبطوا به رمزيًا ووجدانيًا. تجلى ذلك في الحضور المتكرر على محطات الترام- قبل هدمها- رغم توقف المرفق، وفي الكثافة اللافتة للتفاعلات ذات الطابع الحزين أو الرافض على الفضاءات الرقمية، ولا سيما على موقع فيسبوك؛ حيث تحولت المنشورات على الحسابات الرسمية حول مشروع “تطوير ترام الرمل” إلى مساحة للتعبير عن شعور بالفقد يتجاوز بوضوح البعد الوظيفي لوسيلة النقل. يشير هذا النمط من التفاعل إلى أن الترام لم يكن بنية وظيفية للحركة فقط، بل مكوِّنًا من مكونات الذاكرة الحضرية والهوية المكانية للإسكندرية، وأن المساس به يُستقبل بوصفه تهديدًا لعنصر مستقر في الخبرة اليومية. ما وراء الجدل التقني وإذا كان الجدل الدائر حول المشروع قد انصرف في جانب منه إلى مخاوف عملية ومباشرة، فإن المسألة في جوهرها أعمق من ذلك. فالمشكلة لا تقتصر على الأزمات المتوقَّعة، ومنها تزامن المشروع مع مشروع مترو الإسكندرية بديل قطار أبي قير[1]، وما يصاحبه من مخاوف بتكدس حتمي في شوارع المدينة المزدحمة بالفعل. كما لا تقتصر على التفاصيل المتعلقة بعملية فك وإزالة وبيع المرفق نفسه، من عربات ومعدات ومحولات وغرف تغذية الخط والقضبان والشبكة الكهربية والبنية بأكملها، والتي قيل إن مناقصتها رست على شركات محلية بمبلغ اعتبره كثيرون شديد الزهد بالنسبة لمرفق كان يعمل يوميًا دون انقطاع أو أعطال تُذكر لأكثر من قرنٍ من الزمن، مما يجعله في صميم التراث حتى وإن لم يُدرَج في لائحة التراث، في ظل خلوٍ ملحوظ للمواقع الصحفية الحكومية وغير الحكومية من أخبار المناقصة وتفاصيلها. أهداف التطوير المعلَنة على موقعها الإلكتروني، ذكرت الهيئة القومية للأنفاق أربعة أهداف أساسية وراء المشروع، من بينها “تحقيق عائد اقتصادي نتيجة توفير استهلاك الوقود وخفض معدلات التلوث البيئي وخفض الاختناقات المرورية بالمحاور والشوارع الرئيسية وجذب نسبة من الركاب لاستخدام هذه الوسيلة بدلاً من استخدام السيارات الخاصة”، وكذلك “المحافظة على البيئة الطبيعية والاجتماعية وصحة المواطنين نتيجة تقليل التلوث البيئي والضوضاء باستخدام الطاقة الكهربائية النظيفة”[3]. مفارقة الطاقة النظيفة: الترام كهربائي منذ أكثر من قرن غير أن هذه الأهداف- رغم وجاهتها من حيث المبدأ- تثير بدورها بعض الأسئلة عند مقارنتها بطبيعة المرفق الذي كان قائمًا بالفعل والذي هُدمت محطاته وفُككت بنيته. فالترام كان يعمل بالكهرباء منذ عام 1904، عندما قررت الشركة المشغلة له آنذاك (شركة سكك حديد الإسكندرية والرمل) استبدال القاطرات البخارية بقاطرات كهربائية[4]، وذلك في مرحلة كانت الخدمة فيها مقتصرة على استخدام الأسرة الخديوية، قبل إتاحتها جماهيريًا عام 1909[5]. إذًا، الترام في الأصل وسيلة نقل منخفضة الانبعاثات مقارنةً بوسائل النقل المعتمدة على الوقود الأحفوري، الأمر الذي يجعل مسألة التحول إلى الطاقة الكهربائية النظيفة هدفًا متحققًا بالفعل في النظام القائم، لا هدفًا جديدًا يستدعي إعادة هيكلة جذرية للمرفق. توسعة الطرق والطلب المروري المستحث كما أن التصميم المقترح، الذي يعتمد على مسارات علوية في أجزاء من الخط بغرض فصل مسار الترام عن مسار السيارات، يطرح مفارقة أخرى تتعلق بالهدف المُعلَن المتمثل في خفض استهلاك الوقود وتقليل التلوث. فرفع مسار الترام قد يستلزم عمليًا توسعة الطريق أسفل هذه المسارات بعد إزالة الخط القديم لاستيعاب الحركة المرورية، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة سعة الطرق أمام السيارات الخاصة بدلاً عن تقليص الاعتماد عليها. وقد أظهرت تجارب حضرية عديدة أن توسيع الطرق غالبًا ما يؤدي إلى ما يُعرف بالطلب المروري المستحث (Induced Demand Traffic)، أي زيادة عدد السيارات مع كل توسعة للطريق، وهو ما يقود في النهاية إلى ارتفاع استهلاك الوقود ومعدلات التلوث بدلاً عن خفضها[6]. في حين كان من الممكن التفكير في حلول تنظيمية أقل كلفة وأقل تأثيرًا على النسيج العمراني، مثل استخدام مزلقانات إلكترونية وكاميرات مراقبة لفرض فصل المسار، إلى جانب حملات توعية وفرض غرامات صارمة على المخالفين، وهي إجراءات كان يمكن أن تزيد فعالية المرفق بشكله القائم بدلاً عن إنشاء مسار جديد قد يغير معالم المناطق التي يمر بها تغييرًا جذريًا. الترام والنسيج الاجتماعي للمدينة ولا يقتصر أثر هذا التحول على الجوانب المرورية والبيئية فحسب، بل يمتد أيضًا إلى النسيج الاجتماعي للمناطق التي يمر بها الترام. فقد تشكلت على مدار عقود طويلة أنماط من الحياة اليومية حول مسار الترام ومحطاته: أسواق صغيرة، وأنشطة تجارية محلية، وحركة مشاة مرتبطة بوجود المرفق على مستوى الشارع. وأي تغيير جوهري في شكل المسار أو طبيعة المحطات سيؤدي بالضرورة إلى إعادة تشكيل هذه الأنماط، بما يحمله ذلك من آثار محتملة على الحياة الاجتماعية والاقتصادية المحلية. ومن ثمّ، فإن تقييم المشروع لا ينبغي أن يقتصر على مؤشرات الكفاءة الإنسيابية للمرفق وحده، بل ينبغي أن يأخذ في الاعتبار أيضًا أثره على البنية الحضرية والاجتماعية التي تشكلت تاريخياً حول هذا المرفق. الذاكرة الحسية للمدينة: ما لا تقيسه الأرقام إضافةً إلى كل هذه الاعتبارات، لا يمكن تجاهل أمر أعمق وأقل قابلية للقياس بالأرقام، وهو صميم الذاكرة الحسية للمدينة، تلك التي يشعر كثيرون أنها مهدَّدة في جوهرها. إنها ذاكرة رُسمت داخل الوعي الجمعي، أو بالأحرى نُقشت فيه، عبر زمن طويل من التكرار والاعتياد. لم تتكون هذه الذاكرة في لحظة واحدة، ولم تصنعها مناسبة بعينها، ولم تكن جميلة أو سعيدة بالضرورة. لقد تراكمت ببساطة من تفاصيل صغيرة، حفظها الجسد كما حفظها العقل، حتى صارت نبضًا خفيفًا للمدينة. حتى من غادر الإسكندرية سنوات طويلة ثم عاد إليها، لا يكاد إلا أن يستدعي ذلك النبض تلقائياً. وكان الترام، لوقتٍ طويل، في قلب هذا النبض. الترام كمسرح يومي للحياة السكندرية هذه الذاكرة، حين نتأملها، ليست ذاكرة واحدة يمكن سردها من البداية إلى النهاية، بل كنسيج واسع من لحظات صغيرة عاشها ملايين الأشخاص في أزمنة مختلفة، واستقرت في الوعي الجمعي دون اتفاق مسبق. فكل سكندري تقريبًا يحتفظ بنسخته الخاصة من الترام، وهي نسخة تتميز عن الآخرين وتتشابه في الوقت ذاته في عديد من تفاصيلها: رحلة قصيرة إلى المدرسة، انتظار على محطة تحت شمس الصيف أو احتماء بسقف المحطة أو المظلة من مطر الشتاء، أو حديث عابر مع شخص غريب أصبح لعدة محطات رفيق طريق مؤقت. ومع تكرار هذه اللحظات عبر السنين، تحوّل الترام من مجرد وسيلة للانتقال إلى مسرح يومي لحياة المدينة، تمر فوق قضبانه قصص صغيرة لا تُكتب عادةً، لكنها تبقى راسخة في الذاكرة لأنها تشبه حياة الناس كما هي. ومن هذه التفاصيل المتفرقة، التي تبدو عادية في ظاهرها، تشكّل ذلك الرصيد الطويل من الذكريات الذي يستدعيه السكندريون كلما ذُكر
اليوم العالمي للتراث| جُوَّن الإسكندرية: شهادة وتوثيق

مقدمة ينقسم التراث وفقًا إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) إلى تراث ثقافي مادي وتراث ثقافي غير مادي، يندرج التراث الثقافي المادي ضمن ثلاث مجموعات واسعة هي: المعالم، والمواقع، ومجموعات المباني. بينما يُعرَّف التراث الثقافي غير المادي بـ “الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات”، ويمكن لهذا التراث أن يظهر في مجالات مثل “التقاليد وأشكال التعبير الشفهية، فنون الأداء، الممارسات والطقوس والاحتفالات الاجتماعية، المعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعية والكون، الفنون الحرفية التقليدية.” وفي اليوم العالمي للتراث الموافق 18 أبريل والذي أقرته منظمة اليونسكو من أجل حماية التراث الإنساني في جميع دول العالم نريد التحدث عن جُوَّن الإسكندرية وذلك في تمثيلها كتراث ثقافي مادي طبيعي في كونها خليج طبيعي وتراث ثقافي غير مادي تضم حدودها ذكريات وروايات مختلفة، واعتمدنا في تجميعها على أسس التأريخ الشفهي والروائي. جُوَّن الإسكندرية: شهادة وتوثيق شهد شاطئ الإسكندرية كل ما طرأ على مدينته من تغييرات، فشهد في 1901- 1912 بناء طريق يربط بين قصر المنتزه شرقًا وقصر رأس التين غربًا، أُطلِق عليه فيما بعد طريق الكورنيش. وشهد في عام 1943 انتشار الشواطئ العامة من السلسلة حتى قصر المنتزه، وبناء الكبائن ككابينة راهبات نوتردام دي سيونNôtre Dame de Sion وكبائن دار عيسى وستانلي، وبناء الكازينوهات مثل كازينو الشاطبي والسرايا وميامي وسبورتنج وغيرهم، وبُني على ضفته المقامات كمقام الشاطبي وسيدي أبو العباس وسيدي بشر، وتغيرت أسماء شواطئه وشوارعه مرارًا وتكرارًا، ولكنه احتفظ ببعض من ملامحه وأبرزها خلايجه أو أقواسه أو كما يسميها أهل مدينته الجُوَّن (جمع جونة) والتي تعني خليج طبيعي نشأ من انحراف خط الساحل عن مساره الطبيعي وتُكوِّن شكل قوس. وتمدت تلك الجُوَّن من المنتزه حتى الميناء الشرقي بطول سبعة عشر ونصف كيلومتر. وكحال الكثير من المسميات والمصطلحات، نسى الكثير من أهالي الإسكندرية أسماء الجُوَّن السكندرية، تلك الأقواس التي تضم حكاوي وروايات عن المدينة وأهلها، وتعكس حياة استمرت حتى الماضي القريب حيث ذهب إلى كبائنها وشاليهاتها جميع طبقات المجتمع. مع قلة المصادر، كان ولابد الاعتماد على روايات وذكريات السكندريين وكذلك الأدب الذي يساعد على رسم العلاقة بين أهالي الإسكندرية والبحر، عندما كانت لفظة الجونة جزء من حياتهم اليومية حيث تذهب إليها العائلة منذ الشروق حتى الغروب في الصيفية، ومنذ الظهيرة حتى المغرب أثناء الدراسة والأجواء الشتوية المُحتملة في ذاك الزمن قبل تجلي التغيرات على الكورنيش من نحر للشواطئ ومصدات الموج لتقليل أخطار التغييرات المناخية وغيرها من التغييرات التي حالت بين البحر ورواده، بعدما كانت مصيف مصر الأول حسب موقع الإدارة المركزية للسياحة والمصايف. فيحكي لنا أحد رواد مجموعة “إسكندرية زمان” على الفيسبوك عن جُوَّن الإسكندرية الثلاث: جونة ستانلي الممدة من فندق صن رايز حاليًا حتى كازينو السرايا مطلع كوبري ستانلي، وجونة الخربان في سابا باشا المبني عليها الآن نادي المهندسين وتحويلها إلى شاطئ لرواده بعد بناء مصدات للأمواج، وجونة جليم التي تُعد امتداد لجونة الخربان وتنتهي في منطقة سان ستيفانو. سُميت جونة ستانلي نسبةً إلى الصحفي الرحالة الإنجليزي هنري مورتون ستانلي مكتشف منابع النيل. وكانت الجونة مخصصة قبل بناء الكورنيش للأجانب فقط، وبعد بناء الشواطئ والكبائن في عام 1943 صارت الجونة ملاذًا للجميع حتى يومنا هذا. استمرت البلدية في العام نفسه في بناء الكبائن بطول الكورنيش، حتى بنيت كبائن جونة جليم أو جليمونوبلو- نسبةً إلى وزير الخارجية اليوناني جليمونبلو والذي التحق بالعمل كنائب القنصل اليوناني بالإسكندرية- بينما سمى أهل الإسكندرية جونة الخربان لأنها كانت جونة “خربانة” غير مؤهلة للسباحة بفعل التيارات والدومات والأمواج العالية، فصارت ملجأ لهواة الصيد ومحبي الغطس. وحافظت الجونة على شاليه واحد أعده الكثير من أهالي الإسكندرية تصميمًا هندسيًا مبدعًا، ورسمه الفنان الانطباعي الراحل شفيق شاروبيم في رسمة بعنوان “شاطئ الراهبات Nuns’ Beach” عام 1961، مما يعني أن كابينة الراهبات حافظت على وجودها حتى بناء نادي المهندسين عام 1975. بعد مشروع توسيعات الكورنيش هُدِمت كبائن جليم وكابينة الراهبات، وتحول حمام وكازنيو الشاطبي إلى مجمع كافيهات، وأُهمل كازينو السرايا (لاحظنا بعض أعمال التجديد مؤخرًا)، ولم يتبقى إلا كبائن ستانلي التي تتكون من 381 كابينة، وكانت مبنية على طراز أكشاك البلدية وأُعيد تصميمها وترميمها بطرازٍ مختلف عام 2017 (الإدارة المركزية للسياحة والمصايف). فلم يتبقى حول تلك الكبائن والمنشآت إلا التاريخ الشفهي الذي نجمعه من روايات أهل المدينة، ونسميه في تلك الحالة تراث ثقافي غير مادي، والذي سنحاول خلال الفترة القادمة رصده وتجميعه تباعًا.
تأثير التغيرات المناخية على المناطق الأثرية في الإسكندرية وطرق التصدي لها

الأستاذة هبة رفعت؛ باحثة ماجستير علوم سياسية تخصص علاقات دولية بجامعة الإسكندرية، ومهتمة بقضايا البيئة والتغيرات المناخية. تقدم عرضًا بعنوان “تأثير التغيرات المناخية على المناطق الأثرية في الإسكندرية وطرق التصدي لها”؛ حيث تتناول أهم المخاطر التي تتعرض لها المواقع الأثرية بمدينة الإسكندرية، على سبيل المثال قلعة قايتباي، والإجراءات المُتخذة من قِبل الدولة للحفاظ عليها، مع عرض المزيد من الحلول وطرق التصدي لآثار التغيرات المناخية.