لماذا لا تنجح مؤتمرات المناخ؟!

بعد ثلاثة عقود من انعقاد مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ COP، وبعد انتهاء النسخة الثلاثين للمؤتمر في بيليم، البرازيل، والتي انتهت كما كان متوقعًا دون التوصل لنص يُقرّ بخروج تدريجي من الوقود الأحفوري والاكتفاء بالتوصية على التحوّل “الطوعي” عن الاعتماد عليه، والتأكيد على إجراءات خفض الانبعاثات، وتشجيع الدول المتضررة من تبعات تغير المناخ على تعزيز إجراءات التكيف، وحث الدول الكبرى على زيادة التمويل المناخي لمساعدة الدول الأكثر تضررًا على التكيف، أصبح من الضروري تقييم جدوى مؤتمرات المناخ نفسها: هل لا تزال قادرة على دفع العالم نحو التحول المطلوب، أم أنها تحوّلت إلى عملية دبلوماسية تُنتج نصوصًا توافقية لا تمس جوهر المشكلة، بينما تتفاقم الأزمة المناخية بمعدلات تفوق قدرة هذا النظام الدولي البطيء على مواكبتها؟ المُلفت أن المسودة النهائية لمؤتمر الأطراف COP 30 تضمنت، وللمرة الأولى في تاريخ نصوص مؤتمرات الأطراف، إقرارًا صريحًا بأن العالم يتجه نحو ارتفاع سيتخطى 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2100 وربما أكثر، وهو ما أشارت إليه عدة تحليلات مستقلة لنتائجCOP 30 .(Carbon Brief, 2025; NewsClick, 2025; UK Parliament Research Briefing, 2025) مما يعني أن كافة الجهود التي لا تُبذَل أصلاً للإبقاء على أهداف وتوصيات مؤتمر باريس 2015 قبل عشر سنوات (UNFCCC, 2015) قد تجاوزتها الأزمة المتمددة وتخطّاها الزمن ولم تعد كافية لمنع الآثار الفادحة المستقبلية. لا تزال دول العالم تعتمد على الأدوات التفاوضوية البطيئة في مواجهة أزمة صارت محسوسة في كل تفاصيل حياة البشر حاليًا؛ حيث يتغير المناخ بسرعة أكبر بكثير من قدرة الأنظمة السياسية والاقتصادية على التكيّف. ففي الوقت الذي يزحف فيه الجفاف على أجزاء واسعة من الكوكب وتتعرض أجزاء واسعة أخرى للسيول والفيضانات وتتعرض الدول الجُزُرية لخطر الغرق بارتفاع مياه المحيط، تبقى غرف التفاوض منشغلة بتدوير الصيغ نفسها وصناعة نصوص محايدة لا تزعج مراكز القوة الاقتصادية أو مصالح الصناعات الأحفورية. وإلى جانب هذا النفوذ، تبقى قرارات مؤتمر الأطراف غير مُلزِمة بطبيعتها ولا تملك آليات إنفاذ أو محاسبة فعلية. هذا التناقض بين سرعة الانهيار المناخي وبطء القرار الدولي من جهة وحجم الكارثة المتسارع ولغة التفاوض الجامدة من جهة أخرى، هو المدخل لفهم فشل منظومة مؤتمر الأطراف (COP) في وضع العالم على مسار حقيقي للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. بِنية النظام الدولي… قوة الشركات والدول الكبرى فوق أي اعتبار يكمن أساس المشكلة في كون القرار بشأن الأزمة المناخية مُقيّد ببنية النظام السياسي والاقتصادي العالمي، بما يسمح للأطراف المسؤولة عن الانبعاثات الحرارية بامتلاك ما يشبه حق الفيتو غير المُعلن داخل مفاوضات المناخ. تُتخذ القرارات بالإجماع، وتُفصّل النصوص حرفًا بحرف لإرضاء جميع الأطراف، وهذا يعني فعليًا إرضاء الأطراف الأكثر قوة ونفوذًا؛ وهي الدول الكبرى وشركات النفط والغاز والمؤسسات المالية العابرة للحدود. ولا يقف الخلل عند حدود عدم إلزام قرارات COP، بل يمتد أيضًا إلى طبيعة آليات المتابعة والشفافية في اتفاق باريس نفسه. فإطار الشفافية المعزّز (ETF) صُمّم أساسًا كأداة للإبلاغ وتبادل المعلومات؛ حيث تقدم الدول جردًا لانبعاثاتها وتقدمها في تنفيذ مساهماتها الوطنية، ثم تُخضع هذه البيانات لمراجعة تقنية وحوار تيسيري بين الأطراف. وبالمثل، تُعرّف لجنة تنفيذ اتفاق باريس (PAICC) رسميًا على أنها لجنة تيسيرية، غير عقابية، وغير خصامية، (UNFCCC–ETF Reports, 2023; UNFCCC–GGA Reports, 2024) هدفها دعم الأطراف في التنفيذ وليس مساءلتها أو فرض الامتثال عليها. ونتيجة لذلك، تبقى هذه الآليات أقرب إلى حوارات طوعية منها إلى أدوات متابعة فعلية، فلا تتحول الشفافية إلى محاسبة، ولا تملك القدرة على دفع الدول نحو ما تفرضه العدالة المناخية. هذه المنظومة ليست نتاج خلل ظرفي أو مؤقت، بل تُشكِّل أغلب دعائم النظام الاقتصادي العالمي الذي نشأ في القرن العشرين ولا يزال يحكم القرن الحادي والعشرين، لذلك تتمكن لوبيات الطاقة من تطويع المؤسسات السياسية والأممية ليخرج كل مؤتمر بنسخة جديدة من “لغة بلا التزامات” تحمي استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري. بل ويتواجد مندوبو جماعات ضغط الوقود الأحفوري بعدد أكبر من وفود الدول ذاتها؛ إذ سجّل تحالفKick Big Polluters Out (اطردوا المُلوِثين الكبار) وجود أكثر من 1600 ممثل عن شركات الوقود الأحفوري داخل المؤتمر (Al-Jazeera, 2025). وفي دوراتٍ سابقة، شهدت القمم المناخية توقيع صفقات نفط وغاز على هامش الاجتماعات نفسها التي يُفترض أنها مخصّصة للتفاوض حول التخلص من الوقود الأحفوري (The Guardian, 2023). هيمنة لغة التحايل طورت الدول المُنتِجة للنفط وجماعات ضغط الوقود الأحفوري والدول الكبرى مهارة في التحايل اللغوي داخل المفاوضات، فعبارة “التخلص من الوقود الأحفوري” لا تجد طريقها بسهولة إلى النصوص النهائية، وتضغط بنجاح لاستبدالها بمفاهيم أخرى تبدو تقنية أو محايدة مثل “خفض الانبعاثات” و”وقود منخفض الانبعاثات” و”الخيارات المتنوعة للطاقة” و”الانتقال المرن”. تخلق هذه المفاهيم إيحاءً بالتحرك، لكنها لا تجبر الدول على أي التزام فعلي. فالاستخدام المتزايد لمصطلح “خفض الانبعاثات” والذي حل محل “التخلص من الوقود الأحفوري” يُبقي الباب مفتوحًا أمام استمرار استخراج النفط والغاز، بل والتوسع فيهما أيضًا بشرط تحسين تقنيات الحرق أو احتجاز الكربون. لكن هذه التقنيات، كما تشير تقييمات علمية متكررة، غير قادرة على خفض الانبعاثات بالسرعة والحجم المطلوبين، وتُستخدم غالبًا كأداة لإرجاء التحول الطاقي بدلًا عن تسريعه. لماذا تتردد دول الجنوب العالمي في المطالبة بوقف الاعتماد على الوقود الأحفوري؟ رغم أن دول الجنوب تتحمل العبء الأقسى من آثار التغيرات المناخية- من جفاف ممتد لأعاصير وفيضانات وحتى تهديد أمنها الغذائي- إلا أنها تظل حذِرة ومترددة في المطالبة بشكل حاسم بالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. هذا التردد ليس تناقضًا بين كونها الأكثر معاناة وبين حتمية أن تكون في مقدمة المطالبين بإنهاء الاعتماد على الوقود الأحفوري بقدر ما هو نتاج شروط بنيوية غير عادلة لمنظومة عالمية خلقت واقعًا اقتصاديًا يجعل من التحول لإنهاء الاعتماد على مصادر الطاقة القديمة قفزة في المجهول اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا. ويمكن تلخيص هذه الأسباب في ثلاث نقاط رئيسية: هذا الاعتماد البنيوي يجعل التخلي عن الوقود الأحفوري محفوفًا بمخاطر اقتصادية واجتماعية لا يمكن تحملها وحدها دون تمويل خارجي كافٍ لمساعدتها على بناء بنية تحتية للطاقة المتجددة ودون حماية اجتماعية للمجتمعات الأكثر هشاشة وحماية من الكوارث المناخية المتسارعة. آليات التمويل.. فشل أم إفشال؟ أحد أكثر مظاهر الخلل تكرارًا هو الاعتماد على “صناديق تمويل المناخ” التي تنشأ كل حين وآخر دون أن تتغير وظيفتها الحقيقية الافتراضية. يُعلن كل مؤتمر عن صندوق جديد للـ”خسائر والأضرار”، أو “التكيف”، لكن هذه الصناديق غالبًا ما تبقى بلا موارد حقيقية، وبلا شروط واضحة للصرف، وتوضع تحت إشراف نفس المؤسسات المالية الدولية التي تُثقل كاهل دول الجنوب بالشروط القاسية عند الإقراض، وغالباً ما تُصرف هذه الأموال على هيئة قروض أو منح قصيرة الأجل. حتى صندوق الخسائر والأضرار— الذي قُدّم بوصفه إنجازًا تاريخيًا— فإن نطاقه يتركز أساسًا على الكوارث المفاجئة مثل الفيضانات والأعاصير، بينما تبقى الخسائر البطيئة وطويلة الأمد، مثل تآكل

اشترك في قائمتنا الأخبارية