cop28, العدالة البيئية، كوب 28

أفق أم سراب؟ نظرة على مؤتمر قمة المناخ Cop 28

نظريًا، انتهى مؤتمر الأطراف COP 28 بالتوصل لاتفاقٍ “تاريخي” يقضي بخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري تدريجيًّا، والاتفاق على مضاعفة الطاقة المتجددة عالميًا إلى ثلاثة أضعاف بحلول عام 2030، من أجل تحقيق الهدف المُعلَن وهو الحفاظ على ارتفاع درجة الحرارة العالمية عند حدود درجة ونصف مئوية وفقًا لما نص عليه قمة المناخ COP 21 بباريس عام 2015، وذلك بعد خلافاتٍ عديدة بين وفود الدول وحكوماتها والشركات والمنظمات الدولية حول نص المسودة النهائية[1].

رغم ذلك الاتفاق فقد اعتبر العديد من العلماء و نشطاء المناخ و المراقبين الآمال المعقودة على مؤتمر قمة المناخ ميتة قبل أن تولد، بدايةً من انعقاده بدولة نفطية ضمن أكبر عشر مصدرين للنفط بالعالم؛ وهي الإمارات العربية المتحدة، وإسناد رئاسته لرئيس إحدى أكبر شركات النفط الإماراتية، وهو ما استوعبه البعض على أنه سخرية مبطنة من طموحات المدافعين عن المناخ من قبل بداية المؤتمر.

ما الذي يعنيه خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري تدريجيًا؟

جاء الاتفاق النهائي لمؤتمر قمة المناخ Cop 28 عقب تباين ورفضٍ متكرر لصيغٍ أخرى لأكثر من مسودة حول مستقبل التعامل العالمي مع الوقود الأحفوري، اقترحت إحداها التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري بما يتوافق مع أحدث ما يصل إليه العلم، وهي الصيغة التي لاقت رفضًا من الدول المُصدرة للنفط ومنظمة أوبك، وامتد الجدل حول التخلص من الوقود الأحفوري كمبدأ وبين التخلص من آثار استخدامه فقط من غازاتٍ دفيئة وانبعاثاتٍ ضارة وتحجيمها.

يمكن تفسير إصرار الدول نفطية وأوبك على صيغة أخرى بديلة عن “التخلص التدريجي” واستبدالها بالتحول عن الوقود الأحفوري بطريقة عادلة ومنظمة لكون الصيغة الأولى مُلزمة بالتبعية بإيجاد جدول زمني لهذا التخلص التدريجي الافتراضي، مما سيضع تلك الدول ومعها الكيانات النفطية العالمية الكبرى أمام التزامات محددة. وغياب هذا المبدأ عن الصيغة الأخيرة يجعلها فضفاضة أكثر، وبالتالي يجعل التزامات تلك الدول والكيانات أكثر غموضًا مما سيتيح أمامها الكثير من الوقت للاستمرار في استخدام الوقود الأحفوري دون تغييرٍ جوهري.

بجانب أن استبعاد تعبير “بما يتوافق مع أحدث ما يصل إليه العلم” سيعني إعفائها من مواكبة التحولات المفاجئة التي قد تحدث مع أي اكتشاف علمي ثوري في مجال الطاقة، وقد يعني تراجعًا كبيرًا كذلك في أرباحها من الوقود الأحفوري كمصدرٍ للطاقة بوضعه الحالي، خاصةً وأن البلدان المتقدمة لا تنقصها التكنولوجيا اللازمة لتحقيق ذلك، وبعضها بالفعل قد توقف عن استخدام الفحم كأحد مصادر الوقود الأحفوري منذ سنوات.

بعبارةٍ أخرى وبحسب مراقبين، فإن صيغة المسودة الأخيرة لمؤتمر قمة المناخ بالتحول العادل والمنظم عن الوقود الأحفوري لا تعني الكثير على المستوى العملي للوصول للهدف المعلن منذ ما يقرب من ثمان سنوات في باريس، وأعفاها من سياسات محددة بدقة وجداول زمنية كانت ستضطر إليها حال تم التوافق على النص الآخر.

توجد ثغرة كبرى كذلك في المسودة النهائية؛ حيث أشارت إلى أن الوقود منخفض الكربون كالغاز الطبيعي سيلعب دورًا في تسهيل التحول لمصادر الطاقة النظيفة مع الحفاظ على قطاع الطاقة. رغم أن التوسع البديل تجاه الغاز الطبيعي بكل ما سيجلبه من استثمارات ضخمة -وإن كان سيقلص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون- فإنه سيكون مصدرًا أكبر لانبعاثات الميثان؛ وهو الأخطر بكثير من ثاني أكسيد الكربون وأكثر الغازات الدفيئة تأثيرًا في الاحترار العالمي، رغم التعهد الدولي بتخفيض انبعاثات الميثان لنسبة صفر بحلول عام 2030.

هل عقدت الإمارات صفقات نفطية أثناء مؤتمر المناخ؟

أثارت وثائق ظهرت على منصات صحفية قبل المؤتمر انتقاداتٍ واسعة بشأن استغلال الإمارات استضافتها لمؤتمر المناخ لعقد صفقات نفط وغاز. وقد أظهرت هذه الوثائق -التي لم تنفها حكومة الإمارات- نقاط حوار رئيسية في اجتماعاتٍ خاصة على هامش مؤتمر المناخ شملت طلبًا من وزيرة البيئة البرازيلية بتأمين التوافق وجمع تأييدات لعرض شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك)؛ والتي تولى رئيسها سلطان الجابر رئاسة مؤتمر قمة المناخ COP 28 ووصل متوسط إنتاجها لنحو أربعة ملايين برميل نفط يوميًا عام 2022، لشراء حصة رئيسية في أكبر شركة للبتروكيماويات في أمريكا الجنوبية “براسكيم”، وعروضًا للتقييم المشترك بشأن الغاز الطبيعي المُسال في كندا وأستراليا وموزمبيق، ونقاط حوار أخرى مع مسؤولين من أكثر من عشرين دولة منها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والصين وفرنسا وألمانيا والمملكة العربية السعودية[2].

هذا في الوقت الذي خصصت فيه الإمارات جناحًا خاصًا لمنظمة أوبك أثناء المؤتمر، وهي التي مارس أغلب أعضائها ضغوطًا أثناء المؤتمر للتركيز على قضية ابتكار تقنيات احتجاز الكربون بدلاً عن إنهاء انبعاثاته[3]، وكلها مشروعات تبدو شديدة التناقض مع هدف المؤتمر، وصفقات من شأنها أن تزيد من الانبعاثات العالمية لا أن تخفضها، مما سيرفع من الاحترار العالمي بدلاً عن خفضه أو حتى الحفاظ عليه كما هو، في وقتٍ صُنف فيه عام 2023 بأنه العام الأكثر حرارة على الإطلاق منذ 125 ألف عام[4].

لسنا بصدد دراسة واسعة عن آثار الاحترار العالمي على البيئة، لكن الأوساط العلمية تدرك جيدًا أن ضمن تبعاته التأثير سلبًا حتى على وسائل ومصادر الطاقة البديلة أيضًا. فالطاقة الكهرومائية على سبيل المثال لا الحصر لن تكون متاحة كالسابق بسبب الجفاف وانخفاض نسبة الأمطار في عديد من الأقاليم حول العالم والناجم عن الاحترار؛ حيث أوضحت دراسة انخفاض معدل توليد الطاقة الكهرومائية على مستوى العالم بنسبة 8.5% في النصف الأول من 2023، وهو الأكبر على مدى سنوي خلال عقدين من الزمن[5].

هذا في الوقت الذي لن تنتظر فيه التغيرات المناخية إلى عام 2050؛ حيث تصرح الدول الكبرى بطموحها للوصول لنسبة صفر من الانبعاثات الكربونية، أو حتى إلى عام 2030 حيث من المفترض أن تصل نسبة انبعاثات الميثان إلى صفر وتحقيق مضاعفة مصادر الطاقة البديلة ثلاثة مرات بحسب النص النهائي لمؤتمر COP 28.

هل صناديق التمويل المناخي جادة؟

كان من النتائج الرسمية لمؤتمر قمة المناخ الإعلان عن إنشاء وتفعيل صندوقي الخسائر والأضرار، والحلول المناخية (ألتيرا) للدول التي تتضرر بشكلٍ مباشر من التغيرات المناخية الحادة، وتوفير العدالة المناخية و تيسير وصول التمويل المناخي لبلدان الجنوب.

وأُعلن عن ضخ مليارات من الدولارات في كلا الصندوقين من بعض الدول، مع ملياراتٍ أخرى أُعلن عن ترقب ضخها من حكومات ودول أخرى. وقد لاقى قرار تأسيس الصندوقان ترحيبًا واسعًا من الوفود الرسمية التي حضرت المؤتمر.

لكن النظرة المدققة للجهات التي ستدير كل صندوق تطرح تساؤلات منطقية عن غرضهما وعن جدوى كل منهما بالحد الأدنى. فسيترأس صندوق ألتيرا رئيس شركة أدنوك ورئيس مؤتمر الأطراف COP 28 المنتهي ووزير الصناعة والتكنولوجيا الإماراتي، وهو ما سيُدخل الاعتبارات الاقتصادية والاستثمارية والنفطية وربما السياسية في كل التعاملات المالية للصندوق مع البلدان التي ستتعامل معه لاحقًا، وقد يُشكِّل وسيلة ضغط عليها خارج الغرض الذي تأسس له الصندوق، خاصةً أن من أهدافه المعلَنَة جذب رؤوس أموال من القطاع الخاص، مما يعني أنه سيكون بابًا مفتوحًا للاستثمار بالدرجة الأولى[6].

أما بالنسبة لصندوق الخسائر والأضرار والذي أُعلِن عن تولي البنك الدولي إدارته، فليس من المستبعَد أن يتحول لأداة ضغط هو الآخر على البلدان الصغيرة المتضررة من التغير المناخي دون أن تكون من أسبابه، لتشرع في سياسات اقتصادية قد لا تكون في صالح شعوبها بتعليمات من البنك الدولي مقابل تمويلات مستقبلية تحصل عليها من صندوق الخسائر والأضرار، رغم الإعلان على أن البنك سيؤدي دورًا محدودًا في إدارة العمليات اليومية للصندوق ولن يؤدي دورًا في تخصيص الأموال[7].

ختامًا، ينبغي أن تكون كلمة العلماء ومراكز الأبحاث والدراسات و المجتمع المدني ونشطاء المناخ الأعلى والأقوى تأثيرًا في تشكيل سياسات الدول في التعامل مع التغيرات المناخية، وليس للحكومات أو للشركات الكبرى متعددة الجنسيات التي تحرص على التواجد في مؤتمرات المناخ السنوية المتتالية بينما يعاني السكان المحليين حول العالم من تبعات نشاطاتها المتعدية على البيئة المحلية.


[1]  اختتام مؤتمر المناخ بدبي بالدعوة لخفض الوقود الأحفوري، أخبار الأمم المتحدة، 13 ديسمبر 2023.

[2] الإمارات تخطط لاستخدام محادثات المناخ من أجل عقد صفقات نفطية، بي بي سي، 28 نوفمبر 2023.

[3] أوبك تحث الأعضاء على رفض استهداف الوقود الأحفوري، اقتصاد الشرق – بلومبرج، 8 ديسمبر 2023.

[4] عام 2023 هو الأشد حرارة – فرانس 24، 8 نوفمبر 2023.

[5] انخفاض تاريخي في معدل توليد الطاقة الكهرومائية في النصف الأول من 2023 – فرانس 24، 6 أكتوبر 2023.

[6] الإمارات تعلن إنشاء صندوق الحلول المناخية ألتيرا بقيمة 30 مليار دولار – العربية نت، 3 ديسمبر 2023.

[7] البنك الدولي سيتولى إدارة صندوق الخسائر والأضرار المناخية – سكاي نيوز العربية، 1 ديسمبر 2023.

شارك هذا النص

اشترك في قائمتنا الأخبارية