توطين سكان العشوائيات ف المدن الجديدة

حين بلغ عدد سكان العالم 5 مليار نسمة في عام 1987، اعتمدت الأمم المتحدة الحادي عشر من يوليو يومًا عالميًا للتوعية بقضايا السكان. الآن، يتجاوز هذا العدد السبعة مليارات. تزامنت مع هذه الزيادة المطلقة أنماط أخرى أكثر تحديدًا وربما أكثر أهمية، منها الزيادة في عدد سكان المدن حيث يعيش أكثر من نصف سكان العالم حاليًا ومن بين هؤلاء يسكن الثلث مستوطنات عشوائية تفتقر للخدمات الأساسية. وبحلول عام 2050، سيعيش أكثر من ثلثي سكان العالم في المدن مما يعني الزيادة في عدد سكان الأحياء الحضرية الفقيرة إذا لم يفقد التطوير الحضري جوهره الطبقي.

في مصر تبدو الصورة أكثر وضوحًا وأكثر قتامة، حيث يعيش أكثر من ثلثي سكان القاهرة في عشوائيات تمثل 17% فقط من مساحة القاهرة الكبرى. تنظر الحكومة للعشوائيات باعتبارها مشكلة يجب القضاء عليها وليس إسهام الفقراء في حل أزمة الإسكان. تقدم الآلة الإعلامية سكان العشوائيات باعتبارهم مجرمين وخطر على مجتمع الاثرياء، ويتعرض القادمون حديثًا من الريف لتمييز السكان الأقدم نسبيًا ضدهم نتيجة لسنوات من تنميط الفلاحين في السينما والتليفزيون، وتعاني النساء أكثر من خطر العنف والانتهاك القائم على النوع، ولا تسامح على الإطلاق مع ذوي الميول الجنسية الغير مغايرة. كل هذا يستدعي سؤال الحق في المدينة.

إن عملية نمو المدينة وتشكيلها لا تحدث بصورة طبيعية وتلقائية بل نتيجة لقرارات الأفراد والمؤسسات التي تتحكم بالثروة والموارد، لذا نجد أن التطوير العمراني في مصر -مثل كل مكان آخر في العالم- وسيلة لاستيعاب فائض رأس المال ثم إعادة مراكمته عبر نزع الملكية وطرد السكان الفقراء خارج الأراضي التي تتزايد قيمتها لاستغلالها في مشاريع تجارية. في الماضي، كان يحدث ذلك بانتهاكات صريحة وواضحة تصل إلى حد الإخلاء القسري وبدون أساس قانوني للإخلاء في بعض الحالات. تتبع الدولة مؤخرًا سياسة إخلاء تبدو أكثر تقدمية، حيث تعرض على السكان إما القبول بتعويض مادي أو الحصول على وحدة سكنية بنظام الإيجار في مشاريع الإسكان الاجتماعي. لم تخلُ إجراءات الإخلاء في هذه الحالة من العنف أيضًا، بالإضافة إلى تجاهلها لعدد من الاستحقاقات والحريات المرتبطة بالحق في السكن اللائق مثل: حق الفرد في اختيار محل إقامته، وحماية الفرد من تدمير وهدم مسكنه تعسفًا، والمشاركة في صنع القرارات المتصلة بالسكن.

إن إعادة توطين سكان العشوائيات في المدن الجديدة بعقد التسعينات والعقد الأول من الالفية الجديدة فشلت لذات الأسباب الحاضرة حاليًا، والتي تتلخص في: البُعد عن فرص العمل، وعدم توافر وسائل نقل كافية، وسوء المرافق وخدمات الرعاية أو غيابها في بعض المناطق، بالإضافة إلى أنها غير ملائمة ثقافيًا واجتماعيًا لنمط حياة قاطنيها. إن نظامًا كهذا يعيد باستمرار إنتاج الأزمات السكنية والاجتماعية ويورثها من جيل لآخر.

بالطبع المدينة القديمة لا يمكنها الصمود وهي في حاجة دائمة للتغيير، لكن هذا التطوير يخدم من؟ المواطنون أم المطورون العقاريون؟ لإعادة تشكيل مدينة تسع الجميع وتعبر عن ذواتنا، ينبغي أن يكون هذا التغيير موجهًا لصالح السكان المحليون ويتم التخطيط له بمشاركتهم.

شارك هذا النص

اشترك في قائمتنا الأخبارية